منذ زمن بعيد ارتبط التنوير الزائف في بلادنا بالنيل من ثوابت الدين والسخرية من المقدسات والطعن في الصحابة والتشكيك في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة لخلق حالة من الفتنة بين المسلمين، تصرفهم عن التنوير الحقيقي الذي يعمل على ترقية حياتهم وتزكية أرواحهم، وإذا سألت صناع الفتن عن أهداف هذا الشغب الديني سيقولون إنما نفكر ونجتهد، وهم كاذبون مخادعون، يضعون لافتة الاجتهاد على بضاعتهم الملوثة، ليستخفوا من الناس ولا يستخفون من الله، وهو كاشفهم وفاضحهم، لتظل راية الإسلام سامقة ناصعة.
نعم، كفل الإسلام حرية الفكر والاعتقاد والاجتهاد لكنه لم يكفل حرية التطاول على الصحابة الذين استعملهم الله لحفظ دينه وحمله إلى مشارق الأرض ومغاربها، ولم يكفل حرية نزع القداسة عن الكعبة المشرفة والاستهانة بها والسخرية من شعائر الدين التي أمر الله بتعظيمها وتوقيرها، وكلما اختبأ التنويريون المفسدون تحت شعار الحرية كشف الله سترهم وأخرج أضغانهم.
لقد تراجع د. طه حسين عن إنكار وجود سيدنا إبراهيم لأنه كان كبيرا، ورفع هذه السقطة من كتاب (الشعر الجاهلي) في طبعاته المتتالية، لكن محمد سعيد العشماوي لم يتراجع عن افتراءاته بوجود أخطاء في القرآن الكريم، وتلميذه إبراهيم عيسى لم يتراجع عن هرتلاته بأن القرآن ناقص ومختلف عليه، وأحمد عبده ماهر لم يتراجع عن فرية التثليث في القرآن والتشكيك في مواقيت الصلاة والصيام، وسيد القمني لم يتراجع عن اتهام النبي صلى الله عليه وسلم بأنه سياسي طموح أقام دولة هاشمية عنصرية، لا علاقة لها بالدين والوحي والنبوة.
وقس على هؤلاء المخربين من جاء بعدهم وسار على دربهم ممن يزرعون الشوك في أرضنا الطيبة، ويثيرون البلبلة بين أهلها، صسحيح أنهم نالوا شيئا من الشهرة والمال والجاه، لكنه متاع قليل وعرض رخيص زائل، فقدوا في سبيله أشياء كثيرة غالية لا تقدر بثمن، حتى وصل الأمر بيوسف زيدان إلى إنكار حادث الفيل وأبرهة الحبشي، والسخرية ممن يصدقون الرواية الواردة في القرآن الكريم، زاعما أن سورة الفيل تشير إلى حادثة شبيهة وقعت مع اليهود ووردت في أسفارهم، فالفيل ـ حسبما قال ـ لا يعيش في الصحراء، وليس معقولا أن يسير جيش من اليمن إلى مكة لهدم الكعبة المشرفة (دي حتة أوضة أدي أي حد عشرة جنيه واخليه يهدها).
وبعيدا عن هذا الاستخفاف الظاهر بالكعبة المشرفة، التي هي أول بيت وضع للناس، وقبلة المسلمين في الصلاة، والتي قال عنها ربنا جل شأنه: “جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس”، فإن وجود جيش أبرهة في اليمن وهجومه على قبائل العرب مثبت تاريخيا، ووجود الأفيال المستقدمة من فارس والهند وإفريقيا إلى اليمن والجزيرة العربية واستخدامها في الحروب قد ثبت بالحفريات والنقوش التي عثر عليها، أما قصة أبرهة مع الكعبة فكانت شائعة لدى العرب ومتزامنة مع مولد النبي صلى الله عليه وسلم، ولعل القرآن الكريم والرسول صلى الله عليه وسلم لم يفصلا القول فيها لأنها كانت معروفة ومتداولة في صدر الإسلام، ولم ينكرها أو يشغب عليها أحد من كفار قريش، كما شغب عليها رجل ينتمي للإسلام، يعيش في وطن مسلم وسط أمة مسلمة.
ومن المثير للعجب أن يوسف زيدان يصدق رواية أسفار اليهود عن قصة الفيل الخاصة بهم، وهم قد رفضوها وأنكروها، ولا يصدق رواية القرآن الكريم، ويبحث عن دليل مادي أثري عليها، بينما المسلمون لايحتاجون إلى مثل هذا الدليل، ويصدقون ما قال ربهم بالغيب.
ثم، ما علاقة التشكيك في قصة الفيل بالتنوير؟ وما علاقة إنكار وجود المسجد الأقصى في القدس بالتنوير؟ وما علاقة تشويه الفتوحات وتسفيه الفاتحين العظام بالتنوير، والادعاء بأنهم ذهبوا إلى الشمال الأوروبي من أجل البيض الحسان وليس لنشر الدعوة؟










