يَخْتَزِلُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُرَاقِبِينَ مَسِيرَةَ التَّحْدِيثِ الشَّامِلَةِ الَّتِي خَاضَتْهَا الْقُوَّاتُ الْمُسَلَّحَةُ الْمِصْرِيَّةُ خِلَالَ الْعَقْدِ الْمَاضِي، فِي مُجَرَّدِ صَفَقَاتِ تَسْلِيحٍ نَوْعِيَّةٍ، أَوْ تَشْيِيدِ قَوَاعِدَ عَسْكَرِيَّةٍ عِمْلَاقَةٍ، أَوْ تَعْزِيزِ التَّأْمِينِ التَّقْلِيدِيِّ عَلَى كَافَّةِ الِاتِّجَاهَاتِ الِاسْتْرَاتِيجِيَّةِ لِمُوَاجَهَةِ التَّهْدِيدَاتِ الْمُتَصَاعِدَةِ حَوْلَ حُدُودِهَا.
بَيْدَ أَنَّ الْقِرَاءَةَ الْعَمِيقَةَ لِمَشْهَدِ الْقُوَّةِ تُؤَكِّدُ أَنَّ التَّحَوُّلَ الْجَذْرِيَّ لَمْ يَقِفْ عِنْدَ حُدُودِ تَرْقِيَةِ الْعَتَادِ وَمُصَاهَرَةِ التَّكْنُولُوجْيَا، بَلْ تَجَاوَزَهُ إِلَى إِعَادَةِ صِيَاغَةٍ شَامِلَةٍ لِـ “الْفِلْسَفَةِ الْعَسْكَرِيَّةِ” الْمِصْرِيَّةِ، وَبِنَاءِ “مَنْظُومَةِ رَدْعٍ اسْتْرَاتِيجِيَّةٍ مُتَكَاْمِلَةٍ”؛ نَقَلَتْ قُدُرَاتِ جُمْهُورِيَّةِ مِصْرَ الْعَرَبِيَّةِ نَقْلَةً نَوْعِيَّةً: مِنْ مَرْحَلَةِ “الدِّفَاعِ الْهُجُومِيِّ” الَّذِي يَنْتَظِرُ الْخَطَرَ لِيَصُدَّهُ، إِلَى اسْتْرَاتِيجِيَّةِ “الْهَجُومِ الدِّفَاعِيِّ” الَّذِي يَمْتَلِكُ فِيهِ الرَّدْعُ ذِرَاعًا طَوِيلَةً قَادِرَةً عَلَى إِحْبَاطِ التَّهْدِيدِ فِي مَهْدِهِ خَارِجَ الْحُدُودِ.
فَمَا الَّذِي يَعْنِيهِ هَذَا التَّحَوُّلُ الْمَفْهُومِيُّ فِي عِلْمِ الْحَرْبِ؟ وَكَيْفَ تُتَرْجِمُهُ الشَّوَاهِدُ وَالْقُدُرَاتُ الْجَدِيدَةُ عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعِ؟.
أولًا: السِّيَادَةُ الْبَحْرِيَّةُ الْمِصْرِيَّةُ..
لَعُقُودٍ طَوِيلَةٍ سَبَقَتْ عَامَ 2014، انْكَفَأَتْ عَقِيدَةُ الْقُوَّاتِ الْبَحْرِيَّةِ الْمِصْرِيَّةِ عَلَى حِمَايَةِ السَّوَاحِلِ النِّطَاقِيَّةِ وَالدِّفَاعِ الْقَرِيبِ، مُنْطَلِقَةً مِمَّا يُعْرَفُ فِي الْعِلْمِ الْعَسْكَرِيِّ بِـ “بَحْرِيَّةِ الْمِيَاهِ الْخَضْرَاءِ”.
بَيْدَ أَنَّ الْمَشْهَدَ الْيَوْمَ أَعَادَ رَسْمَ مَوَازِينِ الْقُوَّةِ فِي حَوْضِ الْمُتَوَسِّطِ وَالْبَحْرِ الْأَحْمَرِ؛ فَإِثْرَ انْضِمَامِ حَامِلَتَيِ الْمِرْوَحِيَّاتِ مِنْ طِرَازِ “مِيسْتْرَال” —وَالَّتِي يُشِيرُ مَفْهُومُهَا التَّكْتِيكِيُّ الدَّقِيقُ إِلَى أَنَّهَا سُفُنُ إِنْزَالٍ وَتَعْبِئَةٍ وَقِيَادَةٍ اسْتْرَاتِيجِيَّةٍ عَابِرَةٍ لِلْحُدُودِ— مَدْعُومَةً بِتَرْسَانَةٍ ضَارِبَةٍ مِنَ الْفَرْقَاطَاتِ الْجِيلِيَّةِ مِثْلَ “الْفْرِيمْ” الْفَرَنْسِيَّةِ وَ”الْبِيرْجَامِينِي” الْإِيطَالِيَّةِ، وَمُعَزَّزَةً بِذِئَابِ الْأَعْمَاقِ مِنَ الْغَوَّاصَاتِ الْأَلْمَانِيَّةِ الْمُتَطَوِّرَةِ؛ دَشَّنَتْ مِصْرُ عَصْرَ “بَحْرِيَّةِ الْمِيَاهِ الزَّرْقَاءِ”.
لَمْ يَعُدْ الْأُسْطُولُ الْمِصْرِيُّ حَارِسًا لِلشَّوَاطِئِ فَحَسْبُ، بَلْ بَاتَ ذِرَاعًا رَادِعَةً تَمْتَلِكُ الْقُدْرَةَ الْكَامِلَةَ عَلَى تَنْفِيذِ عَمَلِيَّاتِ الْإِنْزَالِ الْبَرْمَائِيِّ الْمُشْتَرَكِ خَارِجَ الْحُدُودِ الْإِقْلِيمِيَّةِ، وَإِدَارَةِ مَسَارِحِ عَمَلِيَّاتٍ نَائِيَةٍ بِاكْتِفَاءٍ عَمَلِيَّاتِيٍّ لُوجِسْتِيٍّ ذَاتِيٍّ كَامِلٍ.
ثَانِيًا: الْقُوَّاتُ الْجَوِّيَّةُ..
عُقُودًا طَوِيلَةً، ظَلَّ دَوْرُ سِلَاحِ الْجَوِّ الْمِصْرِيِّ مُقَيَّدًا بِحُدُودِ التَّأْمِينِ الْقَرِيبِ وَالْحِمَايَةِ الْمَوْضِعِيَّةِ، حَيْثُ شَكَّلَتْ مَقَاتِلَاتُ مِثْلُ F-16 عِمَادَ هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ؛ بِرَغْمِ عَقَبَاتِ الْمَدَى الْعَمَلِيَّاتِيِّ الْمَحْدُودِ، وَالْقُيُودِ التَّسْلِيحِيَّةِ الَّتِي فَرَضَتْهَا مَوَازِينُ الْقُوَى دُوَلِيًّا.
بَيْدَ أَنَّ مَشْهَدَ السَّمَاءِ الْمِصْرِيَّةِ تَبَدَّلَ جَذْرِيًّا مَعَ انْضِمَامِ مَقَاتِلَاتِ “الرَّافَال” الْفَرَنْسِيَّةِ النَّمُوذَجِيَّةِ، وَمَنْظُومَاتِ “الْمِيج-29” الْمُطَوَّرَةِ، لِيُعَادَ رَسْمُ مَفْهُومِ الْقُوَّةِ الْجَوِّيَّةِ. وَلَمْ تَقِفِ النَّقْلَةُ عِنْدَ حُدُودِ بَدَنِ الطَّائِرَاتِ، بَلْ فِي تَمْكِينِهَا مِنْ ذَخَائِرَ جِيلِيَّةٍ فَارِقَةٍ؛ كَصَوَارِيخِ الْجَوَّالَةِ “سْكَالْبْ شَادُو” (SCALP EG)، وَعَائِلَةِ صَوَارِيخِ “بِي إِلْ” (PL) الصِّينِيَّةِ لِلْقِتَالِ خَارِجَ مَدَى الرُّؤْيَةِ، مِمَّا صَنَعَ لِمِصْرَ —لِأَوَّلِ مَرَّةٍ— “ذِرَاعًا جَوِّيَّةً طَوِيلَةً” بَاطِشَةً.
إِنَّ هَذِهِ الذِّرَاعَ الضَّارِبَةَ لَمْ تَعُدْ تَنْتَظِرُ التَّهْدِيدَ لِيَقْتَرِبَ مِنْ أَجْوَائِنَا، بَلْ بَاتَتْ تَمْتَلِكُ الْقُدْرَةَ الْجَسُورَةَ عَلَى اخْتِرَاقِ الْعُمْقِ الِاسْتْرَاتِيجِيِّ، وَتَوْجِيهِ ضَرَبَاتٍ هُجُومِيَّةٍ جَرَّاحِيَّةٍ دَقِيقَةٍ فِي أَقْصَى مَسَارِحِ الْعَمَلِيَّاتِ النَّائِيَةِ، حِمَايَةً لِلْأَمْنِ الْقَوْمِيِّ فِي مَنْبَعِهِ.
ثالثًا: الْعَيْنُ الِاسْتْرَاتِيجِيَّةُ..
لَمْ يَعُدْ رَصْدُ التَّهْدِيدَاتِ وَإِدَارَةُ الْمَعَارِكِ مَحْدُودَيْنِ بِالْمَدَى الْبَصَرِيِّ أَوْ بِنِطَاقَاتِ الرَّادَارَاتِ التَّقْلِيدِيَّةِ؛ بَلْ أَمْسَكَتْ مِصْرُ بِمَفَاتِيحِ “السَّبْقِ الِاسْتِخْبَارَاتِيِّ” عَبْرَ نَشْرِ مَنْظُومَاتِ رَادَارَاتِ “رِيزُونَانْسِ” الْمُتَطَوِّرَةِ (الْعَامِلَةِ بِتِكْنُولُوجْيَا مَا وَرَاءَ الْأُفُقِ – OTH) فِي مَحَاوِرَ حَيَوِيَّةٍ كَالْعَيْنِ السُّخْنَةِ وَالْإِسْمَاعِيلِيَّةِ.
لَقَدْ مَنَحَتْ هَذِهِ الْمَنْظُومَاتُ الْقِيَادَةَ الْعَسْكَرِيَّةَ قُدْرَةً فَرِيدَةً عَلَى كَشْفِ الْمَجَالِ الْجَوِّيِّ وَالِاسْتِرَاقِ الرَّادَارِيِّ عَلَى عُمْقٍ سَحِيقٍ يَصِلُ إِلَى 1200 كَمْ، مِمَّا يَجْعَلُ النِّطَاقَ الْمُمْتَدَّ مِنْ جَنُوبِ تُرْكِيَا إِلَى عُمْقِ بِلَادِ الشَّامِ وَالْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ كِتَابًا مَفْتُوحًا أَمَامَ الدِّفَاعِ الْجَوِّيِّ الْمِصْرِيِّ.
وَفِي فَلَكِ الْفَضَاءِ، تَتَكَامَلُ هَذِهِ الْعَيْنُ الْأَرْضِيَّةُ مَعَ طَفْرَةٍ سِيَادِيَّةٍ غَيْرِ مَسْبُوقَةٍ تَمَثَّلَتْ فِي إِطْلَاقِ شَبَكَةٍ مِنَ الْأَقْمَارِ الصِّنَاعِيَّةِ الْعَسْكَرِيَّةِ، وَعَلَى رَأْسِهَا “طِيبَةُ 1” الْمُخَصَّصُ لِلِاتِّصَالَاتِ الِاسْتْرَاتِيجِيَّةِ الْمُؤَمَّنَةِ، وَأَقْمَارُ “حُورُسَ 1 وَ 2” لِلِاسْتِشْعَارِ عَنْ بُعْدٍ وَالِاسْتِطْلَاعِ الْفَضَائِيِّ الدَّقِيقِ. هَذَا التَّمَازُجُ بَيْنَ رَادَارَاتِ الْأَعْمَاقِ وَعُيُونِ الْفَضَاءِ أَمَّنَ لِلْجَيْشِ الْمِصْرِيِّ شَبَكَةَ اتِّصَالَاتٍ مُشَفَّرَةً عَصِيَّةً عَلَى الِاخْتِرَاقِ، وَتَدَفُّقًا لَحْظِيًّا لِلْمَعْلُومَاتِ يَضْمَنُ بَتْرَ أَيِّ خَطَرٍ قَبْلَ أَنْ يَتَبَلْوَرَ عَمَلِيَّاتِيًّا.
رابعًا: الْقَوَاعِدُ الْعَسْكَرِيَّةُ وَشَبَكَةُ الِانْتِقَالِ السَّرِيعِ..
لَمْ تَكُنْ إِعَادَةُ رَسْمِ خَرِيطَةِ الْقَوَاعِدِ الْعَسْكَرِيَّةِ الْمِصْرِيَّةِ مُجَرَّدَ تَوَسُّعٍ فِي نِقَاطِ التَّمَرْكُزِ، بَلْ جَاءَتْ هَنْدَسَةً جِيُوسْتْرَاتِيجِيَّةً عَبْقَرِيَّةً لِمَسَارِحِ الْعَمَلِيَّاتِ؛ حَيْثُ نَشَأَتْ قِلَاعٌ عَسْكَرِيَّةٌ عِمْلَاقَةٌ مُتَكَامِلَةٌ مِثْلَ قَاعِدَةِ “مُحَمَّدِ نَجِيبٍ” فِي الِاتِّجَاهِ الشَّمَالِيِّ الْغَرْبِيِّ، وَ”بَرْنِيسَ” الِاسْتْرَاتِيجِيَّةِ عَلَى بَوَّابَةِ الْبَحْرِ الْأَحْمَرِ الْجَنُوبِيَّةِ، وَ”شَرْقِ بُورْسَعِيدَ”، وَقَاعِدَةِ “3 يُولْيُو” الْبَحْرِيَّةِ الرَّابِضَةِ عَلَى تُخُومِ الْمُتَوَسِّطِ الْغَرْبِيَّةِ.
هَذِهِ الْقَوَاعِدُ الضَّارِبَةُ، وَإِنْ بَدَتْ رَابِضَةً عَلَى أَطْرَافِ الْجُغْرَافْيَا الْمِصْرِيَّةِ، إِلَّا أَنَّهَا لَيْسَتْ مَعْزُولَةً؛ إِذْ تَتَّصِلُ بِقَلْبِ الدَّوْلَةِ عَبْرَ شَبَكَةٍ شِرْيَانِيَّةٍ مُعَقَّدَةٍ مِنَ الطُّرُقِ الْحَدِيثَةِ، وَالْمَحَاوِرِ الِاسْتْرَاتِيجِيَّةِ، وَالْأَنْفَاقِ الْعِمْلَاقَةِ.
هَذَا الرَّبْطُ الْعَبْقَرِيُّ مَنَحَ الْقِيَادَةَ الْعَامَّةَ مُرُونَةً تَّكْتِيكِيَّةً فَائِقَةً لِنَقْلِ الْحُشُودِ، وَتَعْزِيزِ الْقُوَّاتِ، وَإِعَادَةِ التَّمَرْكُزِ مِنَ الْقَلْبِ إِلَى أَبْعَدِ نُقْطَةٍ عَلَى الْحُدُودِ فِي سَاعَاتٍ مَعْدُودَةٍ، بِمَا يَضْمَنُ مُفَاجَأَةَ الْخَصْمِ وَيُوَسِّعُ —بِشَكْلٍ غَيْرِ مَسْبُوقٍ— الْمَدَى الْعَمَلِيَّاتِيَّ لِأَيِّ قُوَّةٍ تَنْطَلِقُ مِنْ حُصُونِ الْأَطْرَافِ.
خامسًا: الْقُوَّاتُ الْمَحْمُولَةُ جَوًّا وَالْحَرْبُ الْإِلِكْتْرُونِيَّةُ..
لَمْ يَعُدْ مَفْهُومُ النَّقْلِ الْجَوِّيِّ فِي الْعَقِيدَةِ الْمِصْرِيَّةِ مَحْصُورًا فِي دَائِرَةِ الْإِنْزَالِ الْمَظَلِّيِّ الْخَفِيفِ لِعَنَاصِرِ الْقُوَّاتِ الْخَاصَّةِ؛ بَلْ قَفَزَ إِلَى مَرْحَلَةِ “الْإِسْقَاطِ الِاسْتْرَاتِيجِيِّ الْعَابِرِ لِلْحُدُودِ”. وَقَدْ تَحَقَّقَ ذَلِكَ بِبِنَاءِ أُسْطُولٍ جَوِّيٍّ ضَاخِمٍ تَتَصَدَّرُهُ طَائِرَاتُ “الشِّينُوكِ” الْهِلِيكُوبْتِرِ التَّعْبَوِيَّةُ، وَطَائِرَاتُ النَّقْلِ التَّكْتِيكِيِّ “كَاسَا” (C-295)، وَالْعِمْلَاقَةُ C-130\ \text{Hercules}؛ مِمَّا مَنَحَ الْجَيْشَ الْمِصْرِيَّ قُدْرَةً فَارِقَةً عَلَى نَقْلِ كَتَائِبَ مُقَاتِلَةٍ كَامِلَةٍ بِمُعِدَّاتِهَا وَآلِيَّاتِهَا الثَّقِيلَةِ، وَإِبْرَارِهَا جَوًّا فِي أَيِّ مَسْرَحِ عَمَلِيَّاتٍ خَارِجِيٍّ بِسُرْعَةٍ خَاطِفَةٍ.
وَبِالتَّوَازِي مَعَ قُدُرَاتِ الْإِبْرَارِ هَذِهِ، كَانَ لَا بُدَّ مِنْ مِظَلَّةٍ حَدِيثَةٍ تَحْمِي الْأَجْوَاءَ وَتَفْرِضُ التَّفَوُّقَ؛ فَجَاءَ تَعْزِيزُ الدِّفَاعِ الْجَوِّيِّ بِمَنْظُومَاتٍ صَارُوخِيَّةٍ بَعِيدَةِ الْمَدَى مِثْلَ S-300 لِتَكُونَ حَائِطَ صَدٍّ مَنِيعًا ضِدَّ أَعْتَى التَّهْدِيدَاتِ. وَلَمْ تَقِفِ الطَّفْرَةُ عِنْدَ الصَّوَارِيخِ التَّقْلِيدِيَّةِ، بَلِ امْتَدَّتْ إِلَى أَعْمَاقِ “الْحَرْبِ الْكَهْرُومَغْنَاطِيسِيَّةِ” عَبْرَ إِدْخَالِ مَنْظُومَاتِ حَرْبٍ إِلِكْتْرُونِيَّةٍ بَالِغَةِ التَّعْقِيدِ، مِثْلَ النِّظَامِ الصِّينِيِّ الرَّائِدِ LDK-190.
هَذَا السِّلَاحُ الصَّامِتُ بَاتَ يَمْتَلِكُ الْقُدْرَةَ عَلَى إِعْمَاءِ رَادَارَاتِ الْعَدُوِّ، وَتَعْطِيلِ شَبَكَاتِ اتِّصَالَاتِهِ الِاسْتْرَاتِيجِيَّةِ عَنْ بُعْدٍ، مِمَّا يَضْمَنُ شَلَّ قُدُرَاتِ الْخَصْمِ وَتَجْرِيدِهِ مِنْ لُغَةِ التَّوَاصُلِ قَبْلَ بَدْءِ الْمَعْرَكَةِ الْفِعْلِيَّةِ.
سَادِسًا: سِينَاءُ مِنَ الْعُمْقِ الدِّفَاعِيِّ إِلَى قَاعِدَةِ الِانْطِلَاقِ الِاسْتِبَاقِيَّةِ..
لَمْ يَعُدْ التَّمَرْكُزُ الْعَسْكَرِيُّ فِي شِبْهِ جَزِيرَةِ سِينَاءَ خَاضِعًا لِلْأَنْمَاطِ التَّقْلِيدِيَّةِ أَوْ الِارْتِهَانَاتِ الْقَدِيمَةِ؛ بَلْ أُعِيدَ بِنَاءُ هَذِهِ الْبُقْعَةِ الْغَالِيَةِ لِتَكُونَ قَلْبَ مَنْظُومَةِ الرَّدْعِ الْجَدِيدَةِ.
فِى عُمْقِ سِينَاءَ وَبَيْنَ تَعَارِيجِ جِغْرَافْيَتِهَا الْمَنِيعَةِ، شُيِّدَتْ مَرَاكِزُ قِيَادَةٍ وَسَيْطَرَةٍ مُحَصَّنَةٌ وَمُرْتَبِطَةٌ لَحْظِيًّا بِالْقِيَادَةِ الْمَرْكَزِيَّةِ لِلدَّوْلَةِ، فِيمَا تَرْصُدُ تَقَارِيرُ الِاسْتِخْبَارَاتِ الدُّوَلِيَّةِ طَفْرَةً فِي بِنَاءِ مَنَصَّاتِ إِطْلَاقِ الصَّوَارِيخِ التَّكْتِيكِيَّةِ وَالْقَوَاعِدِ الْعَسْكَرِيَّةِ الْمَوْجُودَةِ تَحْتَ الْأَرْضِ، وَالْمَحْفُورَةِ بِعِنَايَةٍ فِي جَوْفِ الْجِبَالِ.
إِنَّ هَذَا التَّحْوِيلَ الْهَنْدَسِيَّ وَالْعَسْكَرِيَّ الْعِمْلَاقَ يَحْمِلُ دَلَالَةً اسْتْرَاتِيجِيَّةً وَاحِدَةً: أَنَّ سِينَاءَ قَدْ نَفَضَتْ عَنْهَا إِلَى الْأَبَدِ صُورَةَ “خَطِّ الدِّفَاعِ الْمُتَأَخِّرِ” أَوْ سَاحَةِ تَلَقِّي الضَّرَبَاتِ، وَتَحَوَّلَتْ رَسْمِيًّا إِلَى “قَاعِدَةِ انْطِلَاقٍ هُجُومِيَّةٍ دَفَاعِيَّةٍ مُحَصَّنَةٍ”؛ رَابِضَةٍ عَلَى أُهْبَةِ الِاسْتِعْدَادِ لِوَأْدِ أَيِّ تَهْدِيدٍ يَمَسُّ الْأَمْنَ الْقَوْمِيَّ، وَبَتْرِهِ فِي مَهْدِهِ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ حُدُودَ الْوَطَنِ بِخُطْوَةٍ وَاحِدَةٍ.
سابعًا: الْأُوكْتَاجُونُ الْعَقْلُ الْمُدَبِّرُ لِلْعَمَلِيَّاتِ الْمُشْتَرَكَةِ..
تَوَّجَتْ مِصْرُ هَذِهِ الطَّفْرَةَ الْبِنْيَوِيَّةَ وَالْعَسْكَرِيَّةَ بِتَدْشِينِ مَقَرِّ قِيَادَةِ الدَّوْلَةِ الِاسْتْرَاتِيجِيَّةِ “الْأُوكْتَاجُونِ”، الَّذِي لَا يُمَثِّلُ مُجَرَّدَ صَرْحٍ مِعْمَارِيٍّ حَدِيثٍ، بَلْ هُوَ “الْعَقْلُ الْمُفَكِّرُ وَالْعَصَبُ الْمَرْكَزِيُّ” الَّذِي يَرْبِطُ كَافَّةَ هَذِهِ الْعَضَلَاتِ الْعَسْكَرِيَّةِ الضَّارِبَةِ بِشَبَكَةٍ مُوَحَّدَةٍ.
يُتِيحُ “الْأُوكْتَاجُونُ” لِلْقِيَادَةِ الْعُلْيَا آلِيَّاتِ التَّنْسِيقِ الِاسْتْرَاتِيجِيِّ، وَالْقِيَادَةِ وَالسَّيْطَرَةِ اللَّحْظِيَّةِ (C4ISR) فَوْقَ مَسَارِحِ عَمَلِيَّاتٍ مُتَعَدِّدَةِ الْجَبَهَاتِ وَالِاتِّجَاهَاتِ فِي آنٍ وَاحِدٍ.
وَمِنْ رَحِمِ هَذَا الْمَرْكَزِ الْعِمْلَاقِ، بَاتَتِ الدَّوْلَةُ تَمْلِكُ الْقُدْرَةَ الْفَائِقَةَ عَلَى إِدَارَةِ “الْحُرُوبِ الْمُشْتَرَكَةِ الْحَدِيثَةِ” —الَّتِي تَتَمَازَجُ فِيهَا الْقُدُرَاتُ الْبَرِّيَّةُ، وَالْبَحْرِيَّةُ، وَالْجَوِّيَّةُ، وَالسِّيبِرَانِيَّةُ— بِتَنَاغُمٍ عَمَلِيَّاتِيٍّ مَشْدُودِ الْأَوْتَارِ، وَبِدِقَّةٍ زَمَنِيَّةٍ مُتَنَاهِيَةٍ، تَعْمَلُ فِيهَا كُلُّ الْأَسْلِحَةِ كَجَسَدٍ وَاحِدٍ يَتَحَرَّكُ بِوَعْيٍ كَامِلٍ وَسُرْعَةٍ حَاسِمَةٍ.
وَمَجْمَلُ الْقَوْلِ؛ إِنَّ كُلَّ هَذِهِ الشَّوَاهِدِ الْمُعْلَنَةِ —وَمَا خَفِيَ كَانَ أَعْظَمَ— تُبَرْهِنُ بِمَا لَا يَدَعُ مَجَالًا لِلشَّكِّ أَنَّ الْفِكْرَ الْعَسْكَرِيَّ الْمِصْرِيَّ قَدْ صَاغَ مَفْهُومًا جَدِيدًا لِلرَّدْعِ الِاسْتْرَاتِيجِيِّ، يَتَمَثَّلُ فِي عَقِيدَةِ “الْهَجُومِ الدِّفَاعِيِّ”.
وَيَتَبَلْوَرُ مَفْهُومُ “الْهَجُومِ الدِّفَاعِيِّ” فِي جَوْهَرِهِ عَبْرَ “نَقْلِ مَسْرَحِ الْعَمَلِيَّاتِ الدِّفَاعِيَّةِ إِلَى خَارِجِ النِّطَاقِ الْجُغْرَافِيِّ لِلشَّعْبِ”؛ فَلَمْ تَعُدْ مِصْرُ تَنْتَظِرُ وُصُولَ اللَّهَبِ إِلَى أَعْتَابِهَا لِتَبْدَأَ رَدَّ الْفِعْلِ، بَلْ بَاتَتْ تَمْلِكُ الْجَاهِزِيَّةَ الْكَامِلَةَ لِشَنِّ ضَرَبَاتٍ اسْتِبَاقِيَّةٍ جَرَّاحِيَّةٍ، أَوْ فَرْضِ طَوْقٍ صَارِمٍ مِنَ الرَّدْعِ الْعَمَلِيَّاتِيِّ الَّذِي يُجْبِرُ أَيَّ خَصْمٍ —مَهْمَا بَلَغَتْ غَطْرَسَتُهُ— عَلَى التَّفْكِيرِ أَلْفَ مَرَّةٍ قَبْلَ أَنْ تُحَدِّثَهُ نَفْسُهُ بِمَسَاسِ أَمْنِهَا الْقَوْمِيِّ.
إِنَّ مَا شَهِدْنَاهُ لَيْسَ مُجَرَّدَ ثَوْرَةٍ فِي تَحْدِيثِ التَّرْسَانَةِ وَالْعَتَادِ، بَلْ هُوَ انْقِلَابٌ فِكْرِيٌّ عَمِيقٌ فِي الْعَقِيدَةِ الْعَسْكَرِيَّةِ؛ أَنْتَجَ لِمِصْرَ مَنْظُومَةَ رَدْعٍ شَامِلَةً وَعَابِرَةً لِلْحُدُودِ، قَادِرَةً عَلَى فَرْضِ إِرَادَةِ الدَّوْلَةِ، وَحِمَايَةِ مَصَالِحِهَا الْجِيُوسْتْرَاتِيجِيَّةِ الْعُلْيَا سِوَاءٌ بِقُوَّةِ الدِّبْلُومَاسِيَّةِ وَالرَّدْعِ السِّيَاسِيِّ، أَوْ بِبَتْرِ السِّلَاحِ وَحَسْمِ الْمَعْرَكَةِ.
(الْكَاتِبُ وَالْبَاحِثُ الْمُتَخَصِّصُ فِي الشُّؤُونِ السِّيَاسِيَّةِ)










