واللافت أن بيان الاستقالة حمل دلالة سياسية مهمة، فالحديث عن احترام أحكام القضاء ورفع الحرج عن الحكومة يعني أن الأزمة تجاوزت الشق القانوني إلى الصورة العامة للحكومة. وعندما يصبح بقاء مسؤول ما عبئا أمام الرأي العام، فإن الاستقالة تتحول إلى أداة لاحتواء الضرر وإعادة ضبط المشهد!
غير أن احتواء الضرر يختلف عن تفسير أسبابه، فالاستقالة قد تسحب عنصر التوتر من المشهد، لكنها لا تجيب عن الأسئلة التي ولدت الأزمة، مثل: ما هي معايير الاختيار في المناصب العامة؟ ما الوزن الحقيقي للكفاءة المهنية في مقابل وزن السمعة العامة؟ هل يكفي أن يكون المسئول قادرا على أداء مهمته أم يجب أن يكون بعيدا أيضا عن أي مهاترات تفسد عليه أداء هذه المهمة؟
هذه الأسئلة لا تخص وزارة الثقافة وحدها، ولا تتعلق بهذه الواقعة حصريا، إنها أسئلة تمس فلسفة الإدارة الحكومية بأسرها، فالدولة الحديثة لا تحتاج فقط إلى أصحاب الخبرات، بل تحتاج أيضًا إلى شخصيات قادرة على أداء أدوارها من دون أن تتحول إلى مصدر جدل دائم يستهلك الجهد والطاقة ويصرف الانتباه عن الملفات الأساسية.
وهناك زاوية أخرى قلما تحظى بالانتباه الكافي، فالأزمة، في جانب منها، تكشف التوتر الدائم بين منطق السياسة ومنطق الإدارة، الإدارة تبحث غالبًا عن الكفاءة والخبرة والإنجازات المهنية، بينما تنشغل السياسة بحسابات الثقة العامة والقدوة والصورة الذهنية، وقد يكون المرشح لمنصب ما صاحب سيرة أكاديمية أو مهنية لافتة، لكن وجود ملف خلافي أو نزاع قانوني مرتبط باسمه يفرض أسئلة إضافية عن كلفة اختياره والجدل الذي سيثار حوله وأثره على المؤسسة التي يمثلها!
لهذا يمكن القول إن الاستقالة أغلقت بابًا، لكنها فتحت نافذة واسعة، أغلقت باب الجدل حول استمرار الوزيرة في موقعها، لكنها فتحت نافذة على أسئلة تتعلق بكيفية صناعة النخبة الإدارية، وكيف تُقرأ الملفات، وكيف تُوزن المخاطر، وكيف تصل التوصيات إلى مراكز صناعة القرار؟










