لم تكن امتحانات الثانوية العامة 2026 مجرد اختبارات دراسية، بل تحولت في نظر آلاف الأسر المصرية إلى معركة نفسية وعصبية، دفعت ثمنها دفعة كاملة من طلاب الشعبة العلمية بفرعيها علوم ورياضة. فبعد عام طويل من السهر، والدروس، والكتب، والمذكرات، والمراجعات المكثفة، فوجئ الطلاب بامتحانات وصفها كثيرون بأنها جاءت أصعب من المتوقع، وأبعد عن مستوى الطالب المتوسط، وهو ما تسبب في موجة واسعة من الإحباط والحزن بين الطلاب وأولياء الأمور.
هذه الدفعة ربما تكون الأكثر حديثًا في تاريخ الثانوية العامة، ليس لأن أبناءها أقل اجتهادًا، بل لأن حالة الجدل صاحبت معظم الامتحانات، حتى أصبح كل امتحان حديث الشارع المصري ووسائل التواصل الاجتماعي.
وليس من المنطقي أن يتحول امتحان الثانوية العامة إلى وسيلة لقياس قدرة الطالب على فك الألغاز، بينما الهدف الأساسي هو قياس مدى استيعابه للمناهج الدراسية. فالطالب الذي بذل عامًا كاملًا من عمره، وأنفقت أسرته عشرات الآلاف من الجنيهات على الدروس والكتب والمذكرات، يستحق امتحانًا عادلًا، لا امتحانًا يصيبه بالصدمة ويهدر مجهوده.
لقد دفعت هذه الأسر مبالغ طائلة، وتحملت ضغوطًا نفسية واقتصادية هائلة، على أمل أن يرى أبناؤها ثمرة تعبهم، لكن كثيرين خرجوا من اللجان بدموع الحسرة، بعدما شعروا أن الامتحان لا يعكس ما درسوه طوال العام.
وفي خضم هذا الجدل، يطرح الشارع المصري تساؤلات تحتاج إلى إجابات واضحة، بعيدًا عن الانفعال أو الاتهامات. هل كان هذا التشدد مقدمة للترويج لنظام البكالوريا الجديد؟ وهل أصبح الهدف دفع مزيد من الطلاب إلى الجامعات الخاصة والأهلية؟ هذه أسئلة يتداولها كثير من المواطنين، لكنها تبقى في النهاية تساؤلات تحتاج إلى أدلة وإجابات رسمية، ولا يجوز الجزم بها دون إثبات.
ويبقى السؤال الأهم الذي يطرحه كثير من أولياء الأمور: إذا كانت الأسرة المصرية تتحمل كل هذه المعاناة من أجل حصول أبنائها على مكان في جامعة حكومية، فلماذا يشعر البعض أن المنافسة أصبحت أشد مع زيادة أعداد المقبولين من غير المصريين وفق القواعد المعلنة؟ وكيف يمكن تحقيق التوازن بين استقبال الطلاب الوافدين، باعتباره جزءًا من التعاون التعليمي، وبين الحفاظ على فرص الطلاب المصريين في الجامعات الحكومية؟
إن الجامعات المصرية كانت وستظل منارة علمية تستقبل الأشقاء والطلاب من مختلف الدول، لكن المواطن المصري يتطلع أيضًا إلى أن يحظى أبناؤه بفرص عادلة في التعليم الحكومي، خاصة بعد سنوات من الجهد والإنفاق والمعاناة.
إن ما تحتاجه منظومة الثانوية العامة اليوم ليس المزيد من الجدل، بل مراجعة شاملة تضمن تحقيق التوازن بين جودة التقييم والعدالة، حتى لا تتحول الثانوية العامة من بوابة للأمل إلى مصدر للألم، وحتى يشعر كل طالب أن مستقبله يُبنى على مجهوده الحقيقي، لا على مفاجآت غير متوقعة داخل لجنة الامتحان.









