ما عادت البلطجةُ صوتَ سكينٍ في عتمةِ الليل، ولا قبضةَ يدٍ في زاويةٍ مهجورة، لقد تحوّلت البلطجةُ إلى ثقافةٍ، وإلى لسانٍ، وإلى سلوكٍ يوميٍ يمشي بيننا بلا حياء، صارت البلطجةُ صراخاً في التكاتك، وسباباً في الشوارع، وإدماناً في الحارات، وتحرشاً بالأعراض، وذعراً في القلوب. فقد أصبح صوت المهرجانات يصم الآذان، وقيادة طائشة بلا قانون، وفرض إتاوة بذراع مفتولة، تحول الشارع إلى حلبة، والركاب إلى رهائن. شتائم بذيئة، واستعراض عضلات، وخناقات لأتفه الأسباب، فتيل غضب مشتعل، وفتوة شارع يظن الهيبة فى الصوت العالى، والرجولة فى ترويع الآمنين، شباب سلموا عقولهم للمخدرات، فباعوا الأخلاق، مدمن يسرق، ومتعاط يهجم، وضائع لا يفرق بين الحلال والحرام. الإدمان بوابة الجريمة، والجريمة ذراع البلطجة.
فإذا بحثتَ عن الجذرِ الخفيِ لهذا السرطان، فستجدُ إبرةً، وستجدُ قرصاً، وستجدُ لفافةً، ستجدُ المخدراتِ أمَّ الخبائثِ وأمَّ كلِ بلاء. فالمخدراتُ لم تعد حبيسةَ الأزقةِ المظلمة، لقد خرجت إلى النور، وتمددت في الشوارعِ والميادين، واقتحمت حتى الأماكنَ التي كنا نظنها بمنأى عن القبح.
انظر حولك في مدينةِ السادسِ من أكتوبر، المدينةِ التي كانت عنواناً للنظامِ والرقي، صارت اليوم مرتعاً للتكاتكِ والميكروباص بلا ضابطٍ ولا رابط، يقودها شبابٌ مسجلون خطر، وعيونهم زائغةٌ من السهرِ على السموم، وألسنتهم سليطةٌ بالسباب، وأيديهم ممدودةٌ لفرضِ الإتاوةِ في وضحِ النهار، يتعاطون المخدراتِ على الملا، ويبيعونها على النواصي، وكأن القانونَ غائبٌ، وكأن الهيبةَ قد ماتت.
المخدراتُ هي الوقودُ الذي يشعلُ كلَ نيرانِ البلطجة، فالمدمنُ لا عقلَ له فيحترم، ولا دينَ له فيردع، ولا خوفَ له فيحجم. المدمنُ يسرقُ ليسدَّ جوعَ جرعته، ويخبطُ بتوكتوكِه ليهربَ من ملاحقةِ ضميره، ويتحرشُ لأنه فقدَ آخرَ ذرةِ حياءٍ في قلبه، ويتخانقُ لأتفهِ سببٍ لأن المخدرَ حوّل عروقَه إلى بارودٍ مشتعل.
من هنا بدأت الحكاية، شبابٌ سلموا عقولَهم للتجارِ فباعوا الأخلاقَ واشتروا الجرأةَ عن منع الحرام، فصار البناتُ هدفاً سهلاً لأجبنِ أنواعِ البلطجة. فالتحرشُ في المواصلاتِ، والمعاكسةُ في الطرقاتِ، والنظراتُ التي تقتلُ الحياء، كلها ثمرةٌ مرةٌ لشجرةٍ اسمها الإدمان.
ولأننا سكتنا فتمادو، ولأننا قلنا ملناش دعوة فتجرأو، ولأن العقابَ تأخرَ فظنَّ الجاني أن القوةَ فوقَ الحق، وأن الصوتَ العاليَ فوقَ القانون.
والعلاج يبدأ بهيبةِ القانونِ أولاً، فلا ردعَ بلا عقابٍ رادعٍ، ولا أمنَ بلا تطبيقٍ حازمٍ في كلِ شارعٍ وفي كلِ ميدان، بكاميراتٍ ترصد، ودورياتٍ تمنع، وقضاءٍ ناجزٍ لا يرحمُ المجرم. ويبدأ بقطعِ جذورِ الإدمان، بحربٍ ضاريةٍ على التجارِ قبل الضحايا، وبمراكزِ علاجٍ تفتحُ أبوابَها، وبتوعيةٍ في المدارسِ والجامعاتِ عنوانها : من أنقذتَه من المخدراتِ فقد أنقذتَ مجتمعا بأكمله. ويبدأ بالتربيةِ في البيتِ والمدرسة، أن نعلمَ أولادَنا أن الرجولةَ شهامةٌ لا فتوة، وأن القوةَ حمايةٌ لا ترويع، وأن الضعيفَ أمانةٌ لا غنيمة. ويبدأ بنا نحن، فلا نكن متفرجين، فالبلطجيُّ جبانٌ يهربُ من العينِ التي تفضحُه، ومن الكلمةِ التي تدينُه، ومن القانونِ الذي يحاسبُه، والسكوتُ شريكٌ في الجريمة.
البلطجةُ ليست شجاعةً إنها جبنٌ مقنعٌ بالقوة، والبلطجيُّ ليس رجلاً إنه طفلٌ كبيرٌ بلا تربيةٍ ولا دين، والوطنُ الذي يتركُ البلطجةَ تكبرُ هو وطنٌ يزرعُ الخوفَ ويحصدُ الخراب.
فلنقف جميعاً دولةً وشعباً وأسرةً ومدرسةً ضد الصوتِ العالي، وضد اليدِ الممدودةِ بالإيذاء، وضد العينِ التي لا تستحي، وضد السمِّ الذي يجري في عروقِ شبابنا. فالأوطانُ لا تُبنى بالبلطجة، وإنما تُبنى بالرجولةِ، وبالقانونِ، وبالأخلاقِ، وبمجتمعٍ يقولُ للمخدراتِ لا، ويقولُ للبلطجةِ كفى.









