هناك لحظات فى تاريخ الآمم لا تقاس بعدد السنوات وإنما بحجم الفرص التى أهدرت ولعل أكبر الفرص التى ضاعت فى عالمنا العربى كانت فرصة بناء حياة سياسية حقيقية تقوم على حرية الرأى واحترام الفكر واستقلال المؤسسات وتداول السلطة وإيمان الدولة بأن اختلاف الاراء ليس تهديدا لها مصدرا لقوتها .
لقد أثبت التاريخ أن الاستقرار الذى يبنى على الصمت استقرار هش وأن السلطة التى لا تسمع إلا صوتها تفقد بمرور الوقت قدرتها على رؤية الحقيقة فغياب المعارضة الوطنية وإقصاء الرأى الأخر وتمدد ثقافة النفاق السياسى كلها عوامل تضعف الدولة قبل أن تضعف المجتمع لآن قرار الذى لا يواجه بالنقد يفتقد المراجعة والسياسة التى تغيب عنها المنافسة تتحول الى إدارة بلا روح.
ولم تكن مسؤولية هذا الواقع تقع على طرف واحد فالأستعمار ترك إرثا ثقيلا والاستبداد عمق الجراح والنفاق منح الأخطاء غطاء زائفا وثقافة الوصاية صادرت حق الشعوب فى الاختيار وهكذا تشكلت عبر عقود طويلة بيئة طارده للإبداع خائفة من الاختلاف ,ترى فى السؤال جريمة وفى النقد خصومة وفى المعارضة تهديدا بينما هى فى حقيقتها صمام أمان للدولة قبل أن تكون حقا للمواطن .
لقد كان جيل كامل يحلم بوطن تتنافس فيه الأحزاب على خدمة الناس لا على نيل الرضا وبرلمان يراقب ويحاسب واعلام ينقل الحقيقة دون خوف أو تزييف وقضاء يحكم بالعدل ومواطن يشعر أن صوته يمكن أن يغير الواقع كان الحلم بسيطا لكنه كان كبيرا فى معناة لآنه حلما بدولة المؤسسات لا دولة الاشخاص .
فالأوطان لا تبنى بالخوف ولا تتقدم بإقصاء العقول ولا تزدهر إلا عندما يشعر كل مواطن أن رأيه مسموع وكرامته مصونة وأن مستقبلة لا تحدده إرادة فرد بل إرادة شعب فى إطار الدستور والقانون .
إن الحرية ليست منحة من سلطة بل ركيزة من ركائز الدولة الحديثة والمعارضة ليست خصما للوطن بل شريك فى حماية مسنقبله والحوار ليس ضعفا بل دليل ثقة بالنفس وقوة بالمؤسسات .
ويبقى الآمل قائما بإن تتحول الآحلام المؤجلة الى واقع وأن تصبح السياسة مدرسة لإنتاج الحلول لا صناعة الأزمات وأن يكون الاختلاف وسيلة للإصلاح لا سببا فى الخصام وأن تدرك كل دولة أن قوتها الحقيقية لا تقاس بطول بقاء الحكومات وإنما بقدرتها على تجديد نفسها والإستماع الى شعبها وتصحيح أخطائها
فالآوطان التى تحترم حرية الإنسان وتفتح ابواب الحوار وتؤمن بتداول الافكار قبل تداول السلطة هى وحدها القادرة على صناعة مستقبل يستحقه أبناؤها أما الاوطان التى تصادرالكلمة فإنها قد تؤجل الحقيقة لكنها لا تستطيع أن تمنعها من الظهور .
كاتب وباحث اقتصادى ومحام بالإستئناف العالى ومجلس الدولة










