ينتمي نص «ومضى قطار العمر يا أمي» إلى الكتابة الوجدانية التي تتكئ على الاعتراف المباشر، حيث تتحول اللغة إلى مساحة للبكاء والاحتجاج واستعادة الخسارات المؤجلة. والنص في جوهره ليس مجرد شكوى من تجربة شخصية فاشلة، بل هو صرخة إنسانية ضد الزمن الضائع والأحلام التي تآكلت تحت وطأة القهر والانتظار.
منذ العنوان يضعنا النص أمام صورة رمزية بالغة الدلالة؛ فـ «قطار العمر» ليس وسيلة انتقال فحسب، بل هو رمز الزمن الذي يمضي دون توقف، حاملاً معه الأحلام والسنوات والفرص. أما نداء «يا أمي» فيمنح النص بعدًا عاطفيًا عميقًا، إذ تبدو الأم هنا ملاذًا أخيرًا وشاهدًا على رحلة الألم والانكسار.
يعتمد النص على تقنية التكرار بصورة واضحة، حيث تتكرر عبارة:
“ومضى قطار العمر يا أمي”
في أكثر من موضع، لتتحول إلى لازمة شعورية تؤكد الإحساس بالفقد والمرور القاسي للزمن. وهذا التكرار لم يأتِ من باب الحشو، بل أدى وظيفة نفسية مهمة، إذ يعكس حالة الدوران داخل دائرة الألم نفسها، وكأن الذات عاجزة عن الخروج من دوامة الذكريات والأسئلة.
ومن أجمل الصور في النص تلك الصورة التي تقول فيها الكاتبة:
“ووجدتني أقف على أرض لا تمت لي بصلة صحراء جرداء لا زرع فيها ولا ماء”
فهنا تنتقل التجربة من الخاص إلى الرمزي. فالأرض القاحلة ليست مكانًا جغرافيًا، بل حالة وجودية من الاغتراب. إنها صورة الإنسان الذي يجد نفسه بعد سنوات طويلة في حياة لا تشبه أحلامه، ولا تعكس ما كان يتمناه لنفسه.
كما يلفت الانتباه حضور شخصية الأم بوصفها صوت الحكمة التقليدية التي تكرر نصيحة الصبر:
“قولتي لي اصبري سوف يتغير”
لكن النص يعيد مساءلة هذه الحكمة الشائعة، فالصبر هنا لم يؤدِّ إلى الخلاص، بل إلى مزيد من الخيبة. ولذلك يتحول الحوار مع الأم إلى نوع من المراجعة المؤلمة للماضي، حيث تمتزج المحبة بالعتاب، والاحترام بالحسرة.
أما الشخصية الأخرى في النص، الموصوفة بالطاغية والمتقن لتغيير الأقنعة، فهي لا تظهر بوصفها فردًا بعينه، بل بوصفها نموذجًا للسلطة القامعة داخل العلاقات الإنسانية. وقد نجحت الكاتبة في رسمها عبر أوصاف قليلة لكنها مؤثرة:
“بارع في تغيير وتبديل الأقنعة”
وهي عبارة تختزل الكثير من معاني الخداع والتزييف الاجتماعي.
وفي المقطع الأخير يبلغ النص ذروة الانكسار حين تقول:
“لم أعد أنتظر تبريرًا من أحد إفعلوا ما شئتم أو إبقوا على ما أنتم عليه فلا روحًا باتت تشعر ولا قلبًا بات يكترث”
وهنا تنتقل الذات من مرحلة الاحتجاج إلى مرحلة الاستسلام البارد. لم تعد تصرخ طلبًا للإنصاف، بل وصلت إلى درجة من الإرهاق النفسي جعلتها تتخلى عن انتظار التغيير أو الاعتذار أو التفسير.
فنيًا، يقترب النص من الخاطرة الشعرية أكثر من اقترابه من القصيدة العمودية أو قصيدة التفعيلة. قوته الأساسية تكمن في صدقه العاطفي وحرارة التجربة، إذ يشعر القارئ أنه أمام وجع حقيقي لا أمام بناء لغوي متكلف. وربما لو تم تكثيف بعض المقاطع وتقليل بعض التكرارات المتقاربة دلاليًا، لاكتسب النص مزيدًا من القوة والتركيز.
في المجمل، يقدم نص «ومضى قطار العمر يا أمي» شهادة إنسانية مؤثرة عن امرأة تقف أمام حصيلة سنواتها، تتأمل ما ضاع منها، وتبحث بين الرماد عن بقايا حلم. إنه نص عن الخيبة المؤجلة، وعن الصبر حين يتحول إلى عبء، وعن الإنسان الذي يكتشف متأخرًا أن بعض القطارات لا تعود، وأن بعض الأعمار تمضي تاركة خلفها أسئلة أكثر من الأجوبة.
قراءة نقدية: والكاتبة والناقدة ھدى حجاجي أحمد
النص
ومضى قطار العمر يا أمي
ومضى قطار العمر يا أمي
ووجدتني أقف على أرض لا تمت لي بصلة
صحراء جرداء لا زرع فيها ولا ماء
انها أرض قاحلة
أين أحلامي وامالي وطموحاتي
بل أين يا أمي حياتي
لقد دمر وحطم كل شيئ
ورماه تحت اقدامه
قولتي لي اصبري سوف يتغير
وصبرت كثيرا يا أمي
وفعلا تغير
تغير لاسوء ما كنت اتخيل واتصور
ومضى قطار العمر يا أمي
أين أحلامي وامالي وطموحاتي
بل أين حياتي
هناك شخص يمكث خلف الباب
انه بارع في تغيير وتبديل الاقنعة
يروي قصصا وحكايات
مالها من اساس
يستطيع أن يقنع بها كل الناس
الكل يصدقه
الكل يعمل له الف حساب
قولت لك يا امي
استحاله ان اعيش مع هذا الطاغية
قولتي لي اصبري سوف يتغير
لماذا اصريتي وطلبتي مني اتحمل
ياليتك تركتيني افعل ما أشعر به
يا ليتك تركتيني افعل ما أرى
لم أعد أنتظر تبريرًا من أحد
إفعلوا ما شئتم او إبقوا على ما أنتُم عليه
فلا روحا باتت تشعُر
ولا قلبًا بات يكترث
ومضى قطار العمر يا أمي
ووجدتني أقف على أرض لا تمت لي بصلة
ما أصعب أن تبتسم
وفي قلبك وجع كبير
أين أحلامي وامالي وطموحاتي
بل أين هي حياتي
رضا محمد احمد عطوة











