انفجار مخلفات حرب يحرق ثاني أكبر مقبرة إسلامية بالعالم، ويُخلف حالة من القلق بين الأهالي خوفًا على قبور صحابة أجلاء
تخيل أن تمشي في هدوء بين قبور يعود تاريخها لأكثر من ألف وأربعمائة عام. قبور تحتها رفات من عاشوا مع النبي ﷺ، وشهدوا معه الغزوات، وحملوا رسالة الإسلام إلى الآفاق. قبور يعتبرها أهالي المدينة بمثابة “بقيعهم” الذي يقدسونه ويزورونه ويدعون الله عنده. ثم فجأة، ودون سابق إنذار، ينفجر الماضي بكل بشاعته ويشتعل الحاضر نارًا. هذا ما حدث بالضبط في الخميس 11 يونيو 2026، حين التهمت النيران أجزاءً واسعة من مقبرة “الكتيب” التاريخية في مدينة حمص السورية، تلك البقعة التي تضم رفات عدد من الصحابة الكرام، وعلى رأسهم الصحابي الجليل وحشي بن حرب. ليس سيلًا ولا زلزالًا من هدد هذا الإرث الفريد، بل “مخلفات حرب” – تلك القنابل الغادرة التي لا تزال تنفجر في سوريا بعد سنوات من توقف المعارك. لقد ضربت النيران هنا قلب الذاكرة الجمعية لحمص، وفتحت ملفًا مؤلمًا عن إرث الحرب الذي لا يزال يلتهم الحاضر.
عند الحديث عن مدينة حمص السورية، لا يتبادر إلى الذهن فقط تاريخها العريق الذي يعود لآلاف السنين، بل أيضًا مكانتها الخاصة في وجدان المسلمين. فهي التي فتحها الصحابة في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، وسكنها عدد كبير منهم، واختاروا أن تكون موطنهم الأخير. لذلك، ليس غريبًا أن تضم حمص واحدة من أقدس المقابر الإسلامية بعد مقبرة البقيع في المدينة المنورة. إنها مقبرة “الكتيب” أو “الكثيب الأحمر”، تلك التي ينظر إليها أهالي حمص بالعين التي ينظر بها أهل المدينة المنورة إلى البقيع. لكن اليوم، وبسبب حادث مؤسف، تحولت هذه البقعة الطاهرة إلى مشهد أشبه بلوحة من الجحيم.
وفقًا لمراسل شبكة “الصدى” الإعلامية، فقد اندلع حريق كبير داخل مقبرة الكتيب، التي تقع بالقرب من باب تدمر الأثري، إثر انفجار أحد مخلفات الحرب. هذا الانفجار أدى إلى اشتعال النيران في الأعشاب اليابسة والأشجار الجافة، وامتدت النيران بسرعة إلى محيط واسع من المقبرة. على الفور، تحركت فرق الدفاع المدني وشرطة المرور، وبمساعدة الأهالي، تم قطع الطريق المؤدي إلى المنطقة لتسهيل وصول آليات الإطفاء. ورغم الجهود الكبيرة، فإن الحريق ترك آثاره على المقبرة، وأثار حالة من القهر والغضب بين سكان حمص الذين يرون في هذا المكان جزءًا من هويتهم وتاريخهم.
مقبرة الكتيب.. حين يكون التراب نفسه مقدسًا
لكي نفهم حجم الفاجعة، يجب أن نعرف ما تمثله هذه المقبرة لأهل حمص. تنتشر مقبرة الكتيب على مساحة شاسعة خارج السور الشرقي للمدينة القديمة، وتحديدًا خلف باب تدمر. اسمها مشتق من “الكثيب” أو الهضبة المرتفعة من الأرض، وقد أبدلها العامة في حمص إلى “الكتيب”. لا يعرف أحد تاريخًا دقيقًا لبدء الدفن فيها، لكن المؤكد أنها تعود إلى فتوحات المسلمين الأولى. فبعد فتح حمص عام 15 هجريًا، استقر عدد كبير من الصحابة والتابعين في المدينة، وعندما حانت آجالهم، تم دفنهم في هذه البقعة المباركة، ما جعل منها أرضًا مقدسة لا تبارى.
يقول الباحثون إنها ثاني أكبر مقبرة إسلامية في العالم بعد البقيع بالمدينة المنورة. وتضم رفات عدد لا يحصى من الصحابة، تتراوح تقديراتهم بين 250 و400 صحابي، وفي روايات أخرى يصل العدد إلى 900 صحابي. من بين أشهر هؤلاء الصحابة الذين استشهدوا في فتح حمص، ودفنوا في الكتيب الأحمر: الصحابي وحشي بن حرب، الذي قتل حمزة بن عبد المطلب ثم أسلم وقتل مسيلمة الكذاب، والصحابي ثوبان مولى رسول الله ﷺ، والصحابي سفينة مولى رسول الله ﷺ، إلى جانب أبناء جعفر بن أبي طالب والخليفة العادل عمر بن عبد العزيز. هؤلاء ليسوا مجرد أسماء، بل هم شهداء على تاريخ الإسلام، وحفظة لأسراره، ومصدر بركة للمسلمين.
“بقيع الشام” بين التقديس والخراب
للأسف، لم تكن هذه المرة الأولى التي تتعرض فيها مقبرة الكتيب للتخريب أو الإهمال. فخلال سنوات الحرب في سوريا، عانت المقبرة من أضرار جسيمة نتيجة القصف والتخريب المتعمد على يد بعض الميليشيات. كما عانى الأهالي من إهمال البلدية في تنظيف الأعشاب الجافة التي تتحول مع ارتفاع درجات الحرارة إلى وقود سريع الاشتعال. وقد عبر نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي عن استيائهم من هذا التقصير، مطالبين بضرورة حماية هذا الإرث الفريد وتشكيل لجان طوارئ خاصة للمقبرة.
لكن ما حدث اليوم تجاوز كل التوقعات. فانفجار مخلفات الحرب ليس مجرد حادث فردي، بل هو تذكير قاسٍ بأن أرض سوريا لا تزال تحمل في جوفها آلاف الأطنان من الذخائر غير المنفجرة التي تزرعها سنوات الصراع. هذه “القنابل النائمة” تشكل خطرًا دائمًا على الأرواح والممتلكات، وتنهش جسد الوطن حتى بعد توقف المعارك. والأكثر إيلامًا، حين تنفجر هذه القنابل في أماكن مقدسة كمقبرة الكتيب، فإننا لا نخسر فقط بعض الأحجار والأشجار، بل نخسر قطعة من روحنا وذاكرتنا الجماعية.
بين الدمار والإرادة.. جهود الإطفاء السريعة
وسط هذا المشهد الكئيب، سارعت فرق الدفاع المدني وشرطة المرور بالتعاون مع الأهالي إلى موقع الحادث. رجال الإطفاء والإنقاذ تصدوا للنيران بكل شجاعة، وتمكنوا من السيطرة على الحريق بالكامل، ومنع امتداده إلى المنازل والمنشآت المجاورة. هذه الاستجابة السريعة خففت من حجم الكارثة، ومنعت الموتى من مزيد من الدمار. لكن، رغم ذلك، بقيت النيران تلتهم لساعات الأعشاب والأشجار في محيط المقبرة، وهبت الرياح لتزيد من انتشارها، ما جعل عملية الإطفاء أشبه بمعركة. الأهالي كانوا هناك، ينظرون بقلوب مفطورة، وهم يرون قبور أجدادهم تختفي وراء ألسنة اللهب. لم يكن حريقًا في مقبرة، بل كان حريقًا في قلوبهم.
لماذا هذا المكان بالذات؟ بين الجغرافيا والقدر
تقع مقبرة الكتيب في الجانب الشرقي من مدينة حمص، خلف باب تدمر، أحد الأبواب السبعة القديمة للمدينة. هذه المنطقة عانت من عنف الحرب بشكل خاص، ولا تزال تشهد بين الحين والآخر حوادث متعلقة بمخلفات الحرب. وقد يكون هذا هو سبب الحريق اليوم. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: لماذا هذا المكان بالذات يتعرض للحوادث المتكررة؟ هل هو الإهمال؟ أم وجود بقايا حرب لم يتم تطهيرها؟ أم سوء الطالع؟ في كل الأحوال، فإن المقبرة بحاجة إلى خطة إنقاذ وطنية عاجلة لحمايتها من التهديدات المتجددة، وضمان بقائها شامخة للأجيال القادمة.
الخاتمة: دروس من رماد بقيع الشام
مقبرة الكتيب في حمص ليست مجرد مقبرة عادية. إنها صلة الوصل بين الماضي العظيم وحاضر المتغير، وهي شاهد حي على فضل هذه المدينة وأهلها. حين تنفجر مخلفات الحرب وتشتعل النيران فيها، فإننا نفقد أكثر من مجرد أشجار وأعشاب. نفقد جزءًا من تاريخنا، ونفقد فرصة للأجيال القادمة لترى وتبارك بأماكن عاشها الصحابة. لكننا أيضًا نتعلم درسًا قاسيًا: أن الحرب لا تنتهي بمجرد توقف المعارك. بقاياها ما زالت تنفجر، وما زالت تحصد الأرواح وتلتهم الحجارة المقدسة.
يبقى السؤال المحيّر: من سيتحمل مسؤولية تطهير هذه الأرض من ألغامها، وتأمين مستقبل هذه المقبرة التاريخية؟ هل ننتظر حتى تصبح “الكتيب” مجرد ذكرى في الكتب؟ أم نتحرك الآن لإنقاذ ما تبقى من رماد؟ الجواب بين أيدي القائمين على أمر سوريا الجديدة، وبين وعي أبنائها الذين لن يسمحوا بأن تطمس النيران ذاكرة آبائهم وأجدادهم. وبينما تنطفئ النيران، يظل الأمل بأن هذا المكان سيبقى شامخًا، يحرس قبور الصحابة ويذكر الأجيال بالعظماء الذين سكنوا حمص وجعلوها حاضنة للإيمان.










