لم تعد مصر تقدم الضمانات الحكومية لمحطات تحلية المياه، وبات يتعين على المطورين إثبات قدرتهم على تمويل وتشغيل مشروعات جديدة بقيمة 8.5 مليار دولار، دون الضمانات السيادية التي كانت تجعل هذه المشروعات مجدية في الماضي.
لسنوات طويلة، كانت الضمانات السيادية هي مفتاح حصول محطات تحلية مياه البحر في مصر على التمويلات المصرفية، إذ كانت ترفع عبء مخاطر التعثر وضعف الطلب من على كاهل المطورين، وتلقي به على الموازنة العامة للدولة. لكن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أوصت في تقرير حديث (بي دي إف) بتقليص هذا الانكشاف الحكومي، واللجوء إلى عقود تعتمد على الجدوى الاقتصادية للمشروع نفسه، وهو التحول الذي بدأ بالفعل في إعادة تشكيل طرق تمويل المشروعات القائمة على الشراكة بين القطاعين العام والخاص في مجال البنية التحتية.
تقوم الاستراتيجية الجديدة على توفير الأراضي مقابل رأس المال. فمن أجل تخفيف العبء عن الخزانة العامة وخفض تكاليف التنفيذ “لجأت الحكومة إلى الحوافز التشغيلية الملموسة بدلا من الضمانات السيادية”، وفق ما قاله عاصم شكر، نائب رئيس الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي، في تعليق لنشرة إنتربرايز. وأوضح شكر أن الدولة حاليا توفر الأراضي مجانا للمستثمرين أو التحالفات كحافز أساسي، مقابل أن يتولى المستثمر تدبير التمويل وبناء المحطة وتشغيلها بنظام حق الانتفاع لمدة تتراوح بين 20 و30 عاما. وفي المقابل، تلتزم الدولة بشراء المياه المنتجة بأسعار مخفضة.
كما صدر قانون جديد للمياه يعيد تشكيل فلسفة التسعير التي تقوم عليها هذه المقايضة؛ فقانون تنظيم مياه الشرب والصرف الصحي الذي أقر مؤخرا يوفر الغطاء التشريعي لهذا التحول، عبر توفير شبكة أمان بديلة للضمانات السيادية. ولا يكتفي القانون بمنح المستثمرين تراخيص بناء وتشغيل المحطات، بل يغير الفلسفة الأساسية للقطاع لتركز على الكفاءة.
يكمن التطور الحقيقي في آليات التشغيل الجديدة التي أرساها القانون. فيقول مصطفى عاشور، العضو المنتدب لأفريقيا وآسيا في شركة إسكرا إمكو، ذراع حلول إدارة المياه والطاقة التابعة لشركة السويدي إلكتريك، إن هذا التحول يربط إيرادات المحطات مباشرة بمدى كفاءة تشغيلها. وأضاف عاشور أن “ربط تسعير الخدمة بالأداء وجودة التشغيل هو العامل الأهم والأكثر تأثيرا في جذب استثمارات القطاع الخاص”، موضحا أن هذا النهج “يخلق حافزا حقيقيا لتحسين الكفاءة، وتقليل الهدر، وتحقيق الاستدامة المالية دون تحميل الدولة أعباء إضافية”.
والأرقام التي ينبني عليها هذا التحول ضخمة للغاية. إذ تستهدف مصر التوسع في قدرات تحلية المياه لترتفع من مليون متر مكعب يوميا في عام 2023 إلى 8.85 مليون متر مكعب يوميا بحلول عام 2050، وفق ما ذكره البنك الدولي في تقرير حديث (بي دي إف). ويتطلب هذا التوسع استثمارات رأسمالية تقدر بنحو 8.5 مليار دولار، بالإضافة إلى أكثر من 800 مليون دولار سنويا للإنفاق على التشغيل والصيانة.
وربما يمكن تقليص هذه الفاتورة بقدر كبير عبر الإصلاحات الهادفة إلى رفع الكفاءة. فتكمن أهمية تقليل الهدر المائي في تحديد ما إذا كان رأس المال يُستخدم بكفاءة؛ إذ إن ضخ مليارات الدولارات في إنتاج المياه المحلاة لن يكون مجديا اقتصاديا إذا تسربت بعد ذلك عبر شبكات التوزيع. وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن إصلاحات الكفاءة على مستوى القطاع يمكن أن توفر نحو 2.33 مليار متر مكعب من المياه سنويا بحلول عام 2050، مما سيقلل الحاجة إلى قدرات التحلية الجديدة، وسيخفض النفقات الرأسمالية بواقع 5.5 مليار دولار، والإنفاق على التشغيل والصيانة بنحو 500 مليون دولار سنويا.
أما التراخي في تحسين الكفاءة فسيكون مكلفا، إذ يحذر البنك الدولي من أن تنفيذ تلك المشروعات بالطريقة المعتادة سيرفع تكاليف التمويل بنحو 233-306 ملايين دولار إضافية لكل مليون متر مكعب إضافي يوميا من السعة الإنتاجية، وفق حساباته.
وتركز الخطوات الحالية على حماية الموازنة مع الحفاظ على الجدوى التمويلية للمشروعات. فلم تعد الحكومة تضمن مخاطر الإنشاء، لكن لا يزال يتعين على المحطات أن تكون مجدية اقتصاديا بما يكفي لإقناع البنوك والمستثمرين من القطاع الخاص بتمويلها دون دعم حكومي كامل.
وبالنسبة للبنوك وجهات الإقراض التي تتخوف من تمويل المشاريع دون غطاء سيادي مطلق، أصبحت عقود الشراء أو الدفع هي الأرضية المشتركة. فيقول طارق الجمال، المؤسس ورئيس مجلس إدارة شركة ريدكون للإنشاءات، في تعليق لإنتربرايز: “توفر هذه العقود ضمانات تشغيل محددة، تجعل البنوك وشركات القطاع الخاص تتنافس لتمويل مشروعات تحلية المياه”.
لكن تلك العقود ليست حلا سحريا للموازنة العامة، إذ يحذر البنك الدولي في تقريره من أنه في حين تعد ضمانات الدفع هذه ضرورية لجذب القطاع الخاص، فإنها لا تزال تعرض الحكومة لالتزامات طارئة. فإذا تعرض القطاع لتقلبات في أسعار صرف النقد الأجنبي، أو قفزات في أسعار الطاقة، أو صدمات في الطلب، تظل الدولة ملزمة بتغطية الفجوات. ولتجنب تحمل التزامات غير محددة، يوصي البنك الدولي بإخضاع مشروعات الشراكة بين القطاعين العام والخاص لاختبارات ضغوط صارمة، وإدراج هذه المدفوعات المحتملة بوضوح ضمن أطر المخاطر المالية متوسطة الأجل لمصر، والتي يفصح عنها سنويا.
لكن، ماذا يعني هذا لشركات المقاولات الخاصة؟
تقف مصر على أعتاب مرحلة انتقالية ستسفر عن فلترة سوق المقاولات، وفق ما قاله مسؤول في إحدى شركات المقاولات العاملة في مشروعات البنية التحتية للمياه لإنتربرايز. وأضاف المسؤول أن “التحالفات الفائزة في المناقصات المقبلة ستحتاج إلى تعزيز إدارة المخاطر المالية والتشغيلية للصمود، في ظل تخلي الدولة عن حمايتها من مخاطر التنفيذ والتعثر”.
تذكر: تأخر البرنامج المصري للشراكة بين القطاعين العام والخاص في مشروعات تحلية المياه المعتمدة على الطاقة المتجددة عن جدوله الزمني مرارا منذ الإعلان عنه لأول مرة في عام 2020. واعتمدت الحكومة مبدئيا 17 تحالفا في عام 2023، في حين تأجلت أول مناقصة كان من المخطط طرحها في ديسمبر 2025 إلى يناير 2026.
وقد بدأ نهج الاعتماد على الطاقة المتجددة ينتشر في القطاع. فشركة أكوا باور السعودية، التي بدأت أعمالها في مصر أواخر عام 2014، اتجهت بقوة نحو مشروعات الطاقة المتجددة. وبدلا من مشروع سابق لإنتاج الكهرباء بنظام الدورة المركبة بقدرة 2.3 جيجاوات، أسست محطة رياح بقدرة 1.1 جيجاوات في خليج السويس. كما تجري شركة أيميا باور الإماراتية محادثات متقدمة لتطوير 3 محطات لتحلية مياه البحر على سواحل البحر المتوسط والبحر الأحمر في مصر، بقدرة إجمالية تصل إلى 300 ألف متر مكعب يوميا. وتأهلت الشركتان، إلى جانب أوراسكوم كونستراكشون، وإنجي الفرنسية، وسكاتك النرويجية، لتطوير محطات تحلية مياه تعمل بالطاقة المتجددة ضمن نفس البرنامج.
وتتجه الحكومة لجعل هذا الدمج شرطا أساسيا. إذ تخطط لاشتراط تشغيل محطات تحلية مياه البحر بالطاقة المتجددة في أول مناقصة بنظام الشراكة مع القطاع الخاص في هذا المجال، والتي من المتوقع طرحها في ديسمبر 2026.
الخطوة التالية:
لابد من متابعة أداء مصر في هذا البرنامج. إذ تخلفت الحكومة بالفعل عن تحقيق مستهدفي ديسمبر 2025 ويناير 2026؛ ويعتبر موعد ديسمبر 2026 هو الموعد النهائي الثالث الذي تعلنه لإلزام مشروعات تحلية المياه القائمة على الشراكة مع القطاع الخاص بالاعتماد على الطاقة المتجددة. وإذا نجحت في الالتزام بالموعد هذه المرة، فمن المتوقع أن يصبح نهج أكوا باور وأيميا باور، القائم على ربط الطاقة المتجددة بالنواحي الاقتصادية للمشاريع، هو النموذج الذي يتعين على الشركات المتقدمة أن تحاكيه. أما إذا تأجل الموعد مرة أخرى، فمن المرجح أن يستمر الممولون في تسعير المشروعات بناء على المخاطر المتعلقة بالدولة، بغض النظر عما تنص عليه مستندات المناقصات.










