في هذا المقال سوف نقرأ عن أول معمل للادوية بالفضاء تقوم به الصين طاقم مركبة الفضاء شينزوو ثلاثة وعشرين يجري تجارب على الخلايا والكائنات الحية في الجاذبية الصغرى ليكشف أسرار أمراض لا دواء لها على الأرض
الافتتاحية:
تخيل معملًا للأدوية ليس على سطح الأرض بل على ارتفاع أربعمئة كيلومتر فوق رؤوسنا حيث لا جاذبية تسحب القطرات إلى أسفل ولا أنابيب اختبار تنكسر بفعل الوزن تخيل طاقم رواد فضاء يرتدون قفازات ثقيلة لكنهم يجرون تجارب دقيقة على خلايا الكبد والعظام والدماغ في بيئة لا يمكن لأي مختبر أرضي محاكاة هذا ليس حلما علميا بل هو ما تفعله الصين اليوم داخل محطتها الفضائية تيانقونغ حيث تحولت السماء إلى مختبر عملاق لصناعة دواء المستقبل
المقدمة:
هل تساءلت يوما لماذا يعجز الطب الأرضي عن علاج بعض الأمراض المستعصية كضمور العضلات وهشاشة العظام والزهايمر الإجابة قد تكون مخبأة في مكان لا يتوقعه أحد في غياب الجاذبية ففي الفضاء حيث تسقط كل القواعد الفيزيائية التي اعتدنا عليها على الأرض تنكشف أسرار جديدة عن سلوك الخلايا الحية تظهر أمراض لم تكن مرئية وتختفي أعراض لم تكن قابلة للعلاج الصين لم تنتظر طويلا لاستغلال هذه الفرصة فمنذ دخول محطتها الفضائية مرحلة التشغيل الكامل وهي تحول تيانقونغ إلى أكبر منصة في تاريخ البشرية لاختبار الأدوية والعلاجات في بيئة الجاذبية الصغرى
لماذا الفضاء هو أفضل مختبر للأدوية في العالم
على الأرض الجاذبية تخفي الكثير من أسرار الخلايا فحين تسقط قطرة دواء على خلية فإن الوزن يغير طريقة امتصاصها لكن في الفضاء كل شيء يتغير تصبح الخلايا معلقة في الهواء لا شيء يسحبها ولا شيء يضغط عليها تتفاعل مع الأدوية بطريقة لم نرها من قبل لهذا السبب بالضبط تحولت محطة الفضاء الصينية إلى وجهة مفضلة لعلماء الأدوية حول العالم ففي غضون أسابيع قليلة من بدء مهمة شينزوو ثلاثة وعشرين بدأ الطاقم في تنفيذ جدول كثيف من التجارب البيولوجية التي لا يمكن إجراؤها إلا في الجاذبية الصغرى
الجاذبية الصغرى تحول الخلايا إلى كتاب مفتوح
في المختبرات الأرضية يحتاج العلماء إلى أيام وأسابيع لمراقبة كيفية تفاعل الخلايا مع دواء جديد لكن في الفضاء الأمور تجري بشكل أسرع وأوضح عندما دخلت عينات من الخلايا الجذعية والأنسجة العضلية إلى محطة تيانقونغ واجه العلماء مفاجأة غير متوقعة الخلايا في حالة انعدام الوزن بدأت تظهر سلوكيات لم تسجل من قبل بعضها بدأ يشيخ بشكل أسرع والبعض الآخر أظهر استجابة قوية جدا لمضادات الأكسدة هذه الملاحظات الدقيقة تتيح للعلماء على الأرض فرصة ذهبية لفهم آليات الأمراض المرتبطة بالعمر والتوصل إلى أدوية تبطئ الشيخوخة أو توقف تدهور العضلات والدماغ
معركة السرطان تنتقل إلى المدار
من بين أكثر التجارب إثارة في شينزوو ثلاثة وعشرين تلك المتعلقة بزراعة خلايا سرطانية في ظروف الجاذبية الصغرى العلماء يريدون معرفة كيف يتصرف الورم عندما لا تكون الجاذبية لصالحه في التجارب المبكرة التي أجريت على متن مهمات سابقة لوحظ أن بعض الخلايا السرطانية تفقد قدرتها على الانتشار في الفضاء بل إن بعضها أصبح أكثر حساسية للعلاج الكيميائي هذا يعني أن الأدوية التي يحتاج المريض إلى جرعات كبيرة منها على الأرض يمكن أن تعمل بجرعات أقل في الفضاء مما يفتح الباب أمام تطوير علاجات أكثر فعالية وأقل تدميرا للأنسجة السليمة
حماية عظام رواد الفضاء تعني حماية عظام الجميع
من المعروف أن رواد الفضاء يفقدون كثافة عظمية بمعدل أسرع بعشر مرات من أكبر المسنين على الأرض لماذا لأن الهيكل العظمي البشري صمم ليعمل تحت تأثير الجاذبية في الفضاء حين تختفي هذه القوة تبدأ الخلايا الآكلة للعظام في العمل بشراسة بينما تتباطأ الخلايا البانية للعظام طاقم شينزوو ثلاثة وعشرين أجرى سلسلة من التجارب على خلايا عظمية في بيئة الجاذبية الصغرى بهدف اختبار مركبات دوائية جديدة يمكنها إعادة التوازن بين بناء العظام وهدمها إذا نجحت هذه التجارب فإن الأدوية التي ستحمي رواد الفضاء في مهامهم الطويلة إلى المريخ ستستخدم أيضا لعلاج ملايين البشر على الأرض الذين يعانون من هشاشة العظام والكسور المتكررة
الدماغ في الفضاء يفضح أسرار الزهايمر
في أحد الأيام العادية داخل محطة تيانقونغ أخرج رواد الفضاء جهازا صغيرا يشبه الشريحة الإلكترونية بداخله خلايا عصبية مزروعة في بيئة ثلاثية الأبعاد هذا الجهاز يسمى العضويات الدماغية وهو نسخة مصغرة من الدماغ البشري في حالة الجاذبية الصغرى بدأت هذه العضويات تكوّن شبكات عصبية مختلفة عما يحدث على الأرض بعض الخلايا هاجرت إلى مواقع غير متوقعة والبعض الآخر أظهر نشاطا كهربائيا أسرع هذه المشاهدات تمنح العلماء فرصة فريدة لدراسة أمراض مثل الزهايمر والشلل الرعاش من زاوية جديدة تماما فما يحدث في الدماغ البشري على مدى عقود يمكن أن تتسارع وتيرته في الفضاء ليصبح مرئيا و قابلا للدراسة في أسابيع معدودة
الكبد الدهني يتلقى ضربة قاضية من الفضاء
مرض الكبد الدهني غير الناجم عن شرب الخمر يصيب مئات الملايين حول العالم وليس له علاج فعال حتى الآن في محطة الفضاء الصينية بدأ الباحثون في تفكيك هذا اللغز من جذوره فقد أرسلوا عينات من خلايا الكبد البشرية إلى المدار لمراقبة كيف تتراكم الدهون داخلها في غياب الجاذبية النتائج الأولية أظهرت أن قطيرات الدهون داخل الخلية تتصرف بشكل مختلف تماما عن الأرض حيث تتحد معا في تكوينات غريبة لم يسبق رؤيتها من قبل هذه التكوينات الفريدة كشفت عن بروتينات ومسارات كيميائية حيوية لم يكن أحد يعتقد أنها متورطة في تطور الكبد الدهني فجأة أصبح لدى العلماء أهداف دوائية جديدة لم تكن موجودة في أي مختبر أرضي
الإشعاع الفضائي معجل للسرطان ومختبر للعلاج
واحدة من أكبر المخاطر التي تهدد صحة رواد الفضاء في الرحلات الطويلة هي الإشعاع الكوني لكن العلماء الصينيين حولوا هذا الخطر إلى فرصة ففي داخل محطة تيانقونغ توجد منصة خاصة تعرض الخلايا والأنسجة لجرعات محكومة من الإشعاع المشابه لذلك الموجود في الفضاء السحيق الهدف ليس فقط قياس الضرر بل اختبار جيل جديد من الأدوية الواقية من الإشعاع والتي يمكن أن تستخدم لحماية العمال في المفاعلات النووية ومرضى السرطان الذين يخضعون للعلاج الإشعاعي على الأرض فإذا نجح الدواء في حماية الخلايا السليمة في بيئة الفضاء القاسية فإنه سيكون أكثر فعالية على الأرض
الخاتمة: بين الأرض والسماء دواء واحد ينتظر الكشف
ما تفعله الصين اليوم في محطتها الفضائية ليس مجرد سباق تقني مع بقية العالم بل هو نقلة نوعية في مفهوم الطب نفسه فحين اعتقد الأطباء لعقود أن أمراض الشيخوخة وهشاشة العظام والضمور العضلي هي قدر لا مفر منه جاءت تجارب الجاذبية الصغرى لتخبرنا أن هذه الأمراض مرتبطة ارتباطا وثيقا بالقوة التي نشعر بها ولكن لا نراها الجاذبية الأرضية وعندما نفهم كيف تتكيف الخلايا مع غيابها سنفهم أيضا كيف نحميها من تدهورها في وجودها طاقم شينزوو ثلاثة وعشرين الذي بدأ للتو أسابيعه الأولى في المدار يحمل على كتفيه ليس فقط مهمة تشغيل محطة فضائية بل مهمة استكشاف دواء لكل إنسان على وجه الأرض يعاني مما لا يستطيع الأطباء علاجه بعد والأيام القادمة وحدها ستكشف لنا أي جزء من هذا الحلم سيتحول إلى حقيقة تصل إلى صيدلياتنا و مستشفياتنا









