فِي اللَّحَظَاتِ الحَارِجَةِ الَّتِي تَبْدَأُ فِيهَا الأُمَمُ لَمَّ شَمْلِهَا وَاسْتِعَادَةَ عَافِيَتِهَا، تَتَحَرَّكُ الأَيَادِي الخَفِيَّةُ فِي الظَّلَامِ لِتُعِيدَ عَقَارِبَ السَّاعَةِ إِلَى الوَرَاءِ.
وَمَا شَهِدَتْهُ دَوْلَةُ لِيبْيَا الشَّقِيقَةُ خِلَالَ الْأَيَّامِ الْمَاضِيَةِ لَيْسَ مُجَرَّدَ حَوَادِثَ عَابِرَةٍ أَوْ صُدَفٍ بَرِيئَةٍ، بَلْ هُوَ هُجُومٌ اسْتِرَاتِيجِيٌّ مُنَسَّقٌ؛ ثَلَاثُ ضَرَبَاتٍ قَاتِلَةٍ اسْتَهْدَفَتْ فِي التَّوْقِيتِ نَفْسِهِ أَهَمَّ ثَلَاثَةِ أَعْمِدَةٍ لِلدَّوْلَةِ: الْأَمْنَ الْقَوْمِيَّ، وَالْقِطَاعَ النَّفْطِيَّ، وَالِاسْتِقْرَارَ الْمَالِيَّ.
تَأْتِي هَذِهِ التَّطَوُّرَاتُ الْعَاصِفَةُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي سَجَّلَ فِيهِ الْإِنْتَاجُ النَّفْطِيُّ اللِّيبِيُّ أَعْلَى مُسْتَوَيَاتِهِ مُنْذُ عَامِ 2013م، وَفِي اللَّحْظَةِ التَّارِيخِيَّةِ الَّتِي تَبْحَثُ فِيهَا الْقَاهِرَةُ وَطَرَابُلُسُ الْمَشْرُوعَ الْأَضْخَمَ: مَشْرُوعًا اسْتِرَاتِيجِيًّا بِقِيمَةِ مِلْيَارِ دُولَارٍ لِرَبْطِ نَفْطِ “طَبْرُقَ” بِمَصَافِي “الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ”، لِيَكُونَ بَدِيلًا آمِنًا فِي ظِلِّ تَصَاعُدِ الْأَزَمَاتِ عِنْدَ مَضِيقِ هُرْمُزَ.
وَلِفَهْمِ أَبْعَادِ هَذِهِ الْمُؤَامَرَةِ، نُفَكِّكُ الْمَشْهَدَ عَبْرَ ثَلَاثِ مَحَطَّاتٍ رَئِيسِيَّةٍ:
الْمَشْهَدُ الْأَوَّلُ: اسْتِهْدَافُ شِرْيَانِ النِّفْطِ فِي الزَّاوِيَةِ.
بَدَأَتِ الشَّرَارَةُ مِنْ مَدِينَةِ “الزَّاوِيَةِ” غَرْبِيَّ لِيبْيَا؛ حَيْثُ اسْتَهْدَفَتْ طَائِرَاتٌ مُسَيَّرَةٌ مَجْهُولَةٌ خَزَّانَاتِ “مَصْفَاةِ الزَّاوِيَةِ” الْأَكْبَرِ فِي الْبِلَادِ بِطَاقَةٍ تُقَارِبُ 120 أَلْفَ بَرْمِيلٍ يَوْمِيًّا.
وَلَمْ يَقِفِ التَّخْرِيبُ عِنْدَ هَذَا الْحَدِّ، بَلْ صَعَّدَتِ الْمُسَيَّرَاتُ هُجُومَهَا لِتَضْرِبَ خَزَّانًا لِشَرِكَةِ “الْبُرَيْقَةِ” يَحْتَوِي عَلَى 4.5 مَلَايِينَ لِتْرٍ مِنَ الْبَنْزِينِ؛ مِمَّا أَدَّى إِلَى انْهِيَارِ الْخَزَّانِ وَاشْتِعَالِ حَرِيقٍ كَارِثِيٍّ، أَعْلَنَتْ عَلَى إِثْرِهِ الْمُؤَسَّسَةُ الْوَطَنِيَّةُ لِلنَّفْطِ حَالَةَ الطَّوَارِئِ الْقُصْوَى.
إِنَّهُ هُجُومٌ يَسْعَى بِوُضُوحٍ إِلَى شَلِّ قُدْرَةِ لِيبْيَا عَلَى تَأْمِينِ احْتِيَاجَاتِهَا الْمَحَلِّيَّةِ، وَإِجْهَاضِ طَفْرَتِهَا الْإِنْتَاجِيَّةِ الَّتِي بَلَغَتْ 1.44 مَلْيُونَ بَرْمِيلٍ يَوْمِيًّا.
الْمَشْهَدُ الثَّانِي: اغْتِيَالٌ أَمْنِيٌّ فِي قَلْبِ بَنَغَازِي.
فِي التَّوْقِيتِ نَفْسِهِ، وَعَلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ مِنَ الْبِلَادِ، شَهِدَتْ مَدِينَةُ “بَنَغَازِي” خَرْقًا أَمْنِيًّا خَطِيرًا، حَيْثُ تَمَّ اغْتِيَالُ اللِّوَاءِ “فَوْزِي الْمَنْصُورِي”، مُدِيرِ الِاسْتِخْبَارَاتِ الْعَسْكَرِيَّةِ، بَعْدَ تَفْجِيرِ سَيَّارَتِهِ بِمُتَفَجِّرَاتٍ زُرِعَتْ أَمَامَ مَنْزِلِهِ فِي مِنْطَقَةِ “الْهَوَارِي”.
إِنَّ اسْتِهْدَافَ رَأْسِ جِهَازِ الِاسْتِخْبَارَاتِ الْعَسْكَرِيَّةِ فِي الْمَعْقِلِ الْأَمْنِيِّ الْأَبْرَزِ لِلْقِيَادَةِ فِي الشَّرْقِ، يَبْعَثُ بِرِسَالَةٍ مُلَخَّصُهَا: لَا أَمَانَ لِأَيِّ هَيْكَلٍ عَسْكَرِيٍّ أَوْ أَمْنِيٍّ يَسْعَى لِتَثْبِيتِ الِاسْتِقْرَارِ.
الْمَشْهَدُ الثَّالِثُ: زَلْزَالٌ فِي مَصْرِفِ لِيبْيَا الْمَرْكَزِيِّ.
وَكَـتَكْمِلَةٍ لِهَذَا السِّينَارْيُوهِ الْمُرْبِكِ، قَدَّمَ مُحَافِظُ مَصْرِفِ لِيبْيَا الْمَرْكَزِيِّ، “نَاجِي عِيسَى”، اسْتِقَالَتَهُ الْمُفَاجِئَةَ، رَافِضًا الْكَشْفَ عَنِ الْأَسْبَابِ بِدَوَاعِي “الْحَسَاسِيَّةِ الشَّدِيدَةِ”.
تَكْمُنُ خُطُورَةُ هَذِهِ الِاسْتِقَالَةِ فِي كَوْنِ “نَاجِي عِيسَى” كَانَ ثَمَرَةَ تَوَافُقٍ سِيَاسِيٍّ نَادِرٍ بَيْنَ حُكُومَتَيِ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ بَعْدَ أَزَمَاتٍ حَادَّةٍ كَادَتْ تُوقِفُ صَادِرَاتِ النَّفْطِ. وَبِالتَّالِي، فَإِنَّ إِزَاحَتَهُ فِي هَذَا التَّوْقِيتِ تَعْنِي إِعَادَةَ الْمِلَفِّ الْمَالِيِّ إِلَى الْمُرَبَّعِ الْأَوَّلِ مِنَ الِانْقِسَامِ وَالْفَوْضَى.
وَيَبْقَى السُّؤَالُ: لِمَاذَا كُلُّ هَذَا وَفِي هَذَا التَّوْقِيتِ بِالتَّحْدِيدِ؟
تَكْمُنُ الإِجَابَةُ فِي الإِعْلَانِ عَنْ مُشَاوَرَاتٍ مِصْرِيَّةٍ لِيبِيَّةٍ لِإِنْشَاءِ خَطِّ أَنَابِيبَ نَفْطِيٍّ يَمْتَدُّ لِنَحْوِ 800 كِيلُومِتْرٍ بَيْنَ “طَبْرُقَ” وَ”الإِسْكَنْدَرِيَّةِ”، بِتَكْلُفَةٍ تَتَجَاوَزُ مِلْيَارَ دُولَارٍ.
هَذَا المَشْرُوعُ المِحْوَرِيُّ كَانَ سَيُحَقِّقُ مَكَاسِبَ اسْتِرَاتِيجِيَّةً حَاسِمَةً لِلْجَانِبَيْنِ:
● لِمِصْرَ: تَأْمِينُ إِمْدَادَاتِ النَّفْطِ الْخَامِ بَرِّيًّا، بَعِيدًا عَنْ أَمْوَاجِ الِاضْطِرَابَاتِ فِي مَضِيقِ هُرْمُزَ.
● لِلِيبْيَا: الِاسْتِفَادَةُ مِنْ طَاقَاتِ التَّكْرِيرِ الْمِصْرِيَّةِ لِتَلْبِيَةِ احْتِيَاجَاتِهَا الْمَحَلِّيَّةِ، وَإِعَادَةُ تَصْدِيرِ الْفَائِضِ بِقِيمَةٍ مُضَافَةٍ أَعْلَى.
إِذَا أَضَفْنَا إِلَى هَذِهِ المَشَاهِدِ الحَادِثَ الأَخِيرَ الَّذِي شَهِدَهُ مِينَاءُ “دُمْيَاطَ” المِصْرِيُّ بِاسْتِهْدَافِ سَفِينَتَيْ غَازٍ عَبْرَ طَائِرَةٍ مُسَيَّرَةٍ مَجْهُولَةٍ، تَكْتَمِلُ أَبْعَادُ الصُّورَةِ.
نَحْنُ أَمَامَ طَرَفٍ إِقْلِيمِيٍّ أَوْ دَوْلِيٍّ يَرْفُضُ مَنْطِقَ الِاسْتِقْرَارِ فِي شَرْقِ المَشْرِقِ وَشَمَالِ إِفْرِيقْيَا، وَيَرَى فِي أَيِّ تَقَارُبٍ اسْتِرَاتِيجِيٍّ أَوْ شَرَاكَةٍ اقْتِصَادِيَّةٍ بَيْنَ القَاهِرَةِ وَطَرَابُلُسَ تَهْدِيدًا لِمَصَالِحِهِ.
طَرَفٌ يَعْمَلُ عَلَى إِبْقَاءِ لِيبْيَا سَاحَةً مَفْتُوحَةً لِلصِّرَاعَاتِ، وَإِبْقَاءِ مِصْرَ تَحْتَ ضَغْطٍ مُسْتَمِرٍّ فِي مِلَفِّ الطَّاقَةِ.
إِنَّ وَعْيَ الشُّعُوبِ بِمَا يُحَاكُ ضِدَّ أَمْنِهَا القَوْمِيِّ وَاقْتِصَادِهَا هُوَ الخَطُّ الدِّفَاعِيُّ الأَوَّلُ.
لِذَلِكَ، شَارِكْ هَذِهِ الحَقَائِقَ وَانْشُرِ المَعْرِفَةَ؛ فَالمَعْرَكَةُ اليَوْمَ لَيْسَتْ بِالسِّلَاحِ فَقَطْ، بَلْ بِالْوَعْيِ وَالحَقِيقَةِ.
(الْكَاتِبُ وَالْبَاحِثُ الْمُتَخَصِّصُ فِي الشُّؤُونِ السِّيَاسِيَّةِ)









