جَدَّتِي، ذَاتُ التِّسْعِينَ وَنَيِّفٍ، كَانَتْ شَاخِصَةً إِلَى السَّقْفِ، ثُمَّ الْتَفَتَتْ بغتة إِلَيَّ، وقَالَتْ:
«تَعَالَ يَا فَتًى… هَلْ أُحَدِّثُكَ عَنِ الأُمْنِيَاتِ الْمُعَلَّقَةِ؟»
جَلَسْتُ قُرْبَهَا، فَأَشَارَتْ بِإِصْبَعٍ وَاهِنٍ إِلَى السَّقْفِ،
«هُنَاكَ، فَوْقَنَا، عُمْرٌ كَامِلٌ لَمْ أَعِشْهُ.
كَمْ تَمَنَّيْتُ أَنْ أَرْكُضَ فِي حَقْلٍ دُونَ أَنْ أَخَافَ عَلَى ثَوْبِي مِنَ الطِّينِ، وَأَنْ أَرْكَبَ قِطَارًا وَلَا أَسْأَلَ إِلَى أَيْنَ يَمْضِي، فَقَطْ لِأَرَى كَيْفَ تَكُونُ الْمُدُنُ الَّتِي لَا تَعْرِفُنِي.
كَمْ تَمَنَّيْتُ أَنْ أَتَعَلَّمَ الْكِتَابَةَ قَبْلَ أَنْ تَتَعَلَّمَ أَصَابِعِي عَدَّ أَيَّامِ الْغِيَابِ!
كَمْ تَمَنَّيْتُ أَنْ أَقُولَ لِمَنْ أَحْبَبْتُهُمْ: أُحِبُّكُمْ… قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَهُمُ التُّرَابُ، وَيَتْرُكُوا لِي جُمْلَةً نَاقِصَةً وَبَابًا لَا يَفْتَحُهُ أَحَدٌ.
كَمْ تَمَنَّيْتُ أَنْ أَكُونَ أَنَا، لَا مَا أَرَادَهُ لِيَ الآخَرُونَ…
أَنْ أَخْتَارَ ثَوْبِي، وَطَرِيقِي، وَضَحِكَتِي، وَحَتَّى حُزْنِي.
كَمْ تَمَنَّيْتُ أَنْ أُخْطِئَ دُونَ أَنْ يَكُونَ خَطَئِي حُكْمًا عَلَى عُمْرِي الآتي .
وَكَمْ تَمَنَّيْتُ… أَنْ أَكُونَ شُجَاعَةً بِمَا يَكْفِي لِأَقُولَ لِلدُّنْيَا: لَا.
لَا لِمَا لَا يُشْبِهُنِي، لَا لِكُلِّ حُلْمٍ أَقْنَعُونِي أَنَّهُ كَبِيرٌ عَلَيَّ، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ كَانَ أَصْغَرَ مِنْ قَلْبِي.»
سَكَتَتْ جَدَّتِي.
وَبَقِيَتْ عَيْنَاهَا مُعَلَّقَتَيْنِ بِالسَّقْفِ، كَأَنَّ الأُمْنِيَاتِ كُلَّهَا كَانَتْ هُنَاكَ، تَنْتَظِرُ يَدًا تُنَزِّلُهَا إِلَى الأَرْضِ.
وبِصَوْتٍ خَافِتٍ ، سمعتها تقول ،
«لَا تَكْبَرْ يَا فَتًى وَأَنْتَ تَحْمِلُ أُمْنِيَاتِكَ فِي جَيْبِكَ.
الأُمْنِيَةُ الَّتِي نُؤَجِّلُهَا طَوِيلًا تَصِيرُ ذِكْرَى، وَالذِّكْرَى، يَا بُنَيَّ، أَثْقَلُ مِنَ الْحَجَرِ.
اذْهَبْ…
عِشْ مَا اسْتَطَعْتَ، وَقُلْ مَا اسْتَطَعْتَ، وَأَحِبَّ مَنْ تُحِبُّ قَبْلَ أَنْ يَتَعَلَّمَ الْبَابُ كَيْفَ يُغْلَقُ وَحْدَهُ.
أَمَّا أَنَا…
فَدَعْنِي أُحَدِّقْ قَلِيلًا فِي السَّقْفِ؛ رُبَّمَا تَسْقُطُ مِنْهُ أُمْنِيَةٌ قَدِيمَةٌ، وَتَسْقُطُ مَعَهَا سِنُونَ كَامِلَةٌ مِنَ الِانْتِظَارِ.»
وَمُنْذُ ذَلِكَ الْمَسَاءِ، كُلَّمَا رَفَعْتُ رَأْسِي إِلَى السَّقْفِ، أَرَى أُمْنِيَاتِ جَدَّتِي مُعَلَّقَةً هُنَاكَ…
وَأَرَى بَيْنَهَا أُمْنِيَاتِي أَنَا، تَنْظُرُ إِلَيَّ فِي صَمْتٍ، وَتَسْأَلُنِي:
مَتَى سَتَأْتِي لِتُنْزِلَنَا؟










