حين رأيت لأول مرة مطربا (شعبيا) يرقص رقص النساء المائعات، يهز الخصر والأرداف والصدر، انتابتني حالة اشمئزاز مشوبة بالقرف المقزز من هذا الابتذال، لكنني ازددت اشمئزازا وتقززا حين رأيت فنانا يغني ويرقص عاريا تقريبا إلا من ورقة التوت، ثم تطور بنا الابتذال والترخص حتى وصلنا إلى الفنان الذي يغني ويرقص مرتديا بلوزة حريمي (شيفون) ويضع (كوليه) حول الرقبة، وقرطا من الألماظ في أذنه، ومما زاد الطين بلة أن الناس يتسابقون من أجل التصوير مع هذا الفنان (المخنث).
وهنا تكمن خطورة ما وصلت إليه الحروب الإدراكية التي تعرض لها مجتمعنا على مدى السنوات الماضية، والتي أرادت لهذا المجتمع أن يعتاد على مناظر العري والميوعة ولا يستنكرها، ليس فقط لأنها من حقوق الإنسان، وإنما باعتبارها مظهرا من مظاهر التحضر الملازمة للطبقات العليا والمترفين، ومن يتطلعون إليهم ويقتدون بهم.
لقد انقلبت المعايير التربوية والأخلاقية رأسا على عقب، فبعد أن كانت الأسر تهتم اهتماما بالغا بتربية أبنائها على الرجولة الحقيقية، وتربية بناتها على الحياء والعفة، وكان المجتمع يهتم بضبط الفضاء العام على هذه القيم، فلا يجرؤ أحد على أن يخرج عليها، أو يجاهر بعكسها، صار جزء من المجتمع يتغاضى عن الأصول والثوابت، أو على الأقل يتسامح معها، ويمنحها الرضا والقبول، بل يعدها نوعا من الترفيه، رغم ما فيها من خبث وخبائث، وما تجره من ويلات.
إن أخطر ما يعانيه مجتمعنا هو ذلك الانفلات المقيت، الذي أنتج حالة من التفكيك والتشرذم القيمي بين أفراده، وهذا ـ فيما أظن ـ نتاج طبيعي للحروب الإدراكية التي شنت علينا لتغييرنا من الداخل وتبديل قناعاتنا باسم التحضر والتمدن وفق منهج مدروس بعناية، وتمثل أول نجاحات هذه الحروب في إسقاط المرجعيات الكبرى لحياتنا؛ الدين والأسرة والمدرسة والقدوة الحسنة.
أما ما يتعلق بالدين فالحملة على أشدها ضد السنة والأحاديث النبوية، والتشكيك في الثوابت والصحابة والعلماء الثقات، وإثارة الخوف من المسجد والمنبر مع دعوات صريحة لتجفيف منابع الدين، والنيل من الأزهر وتسفيه شيوخه، والهجوم على الحجاب، والزعم بأنه سبب التخلف العلمي والتدهور الثقافي والاقتصادي، ويوم أن تخلع المرأة حجابها سوف ننتقل حتما إلى صفوف الدول المتقدمة!!
وفيما يتعلق بالأسرة فالصورة واضحة لا تخطئها عين، حيث جرى تعقيد الزواج بالقوانين المتضاربة المرهقة، وتشجيع الطلاق والانفصال لأهون الأسباب، وتيسير الجنس خارج الزواج الشرعي، والتهكم على سلطة الأب، والتقليل من شأن رسالة الأم التربوية، وتحريضها على أن يكون طموحها خارج نطاق الأسرة، حتى أصبح لقب (ربة البيت) سبة يجب التخلص منها.
وفيما يتعلق بالمدرسة فالحال أسوأ بكثير، حتى وصلنا إلى تفريغ دور المدرسة والمدرس من مضمونه التعليمي والتربوي، وإلغاء أية سلطة لهما على الطلاب، ومنذ عرضت مسرحية (مدرسة المشاغبين) حدث التحول الكبير ضد أية مسئولية تعليمية أو تربوية للمدرسة، وأصبحت غير قادرة وغير مخولة لإعداد الأجيال الجديدة، بعكس ما ينص عليه الدستور والقانون، وإنما صارت بابا لتحصيل المال والاسترزاق ليس إلا، يدفع فيها أولياء الأمور أموالهم دون مقابل، ثم يلتمسون تعليم أبنائهم في مراكز الدروس الخصوصية، ومن ثم فلا تثريب على الأبناء أن يغشوا في الامتحانات وينجحوا.
وأما ما يتعلق بإسقاط مرجعية القدوة الحسنة فانظر إلى ما يبثه الإعلام من سفاهات وتفاهات للحط من قدر العلم والعلماء والمثقفين الجادين، وإعلاء قيم الفهلوة والمكسب السريع، وحين تظهر مذيعة أو ممثلة على الشاشة تتحدث بمحتوى هابط تافه، أو يظهر فنان (مخنث) يتحدث عن حياته ومغامراته، وفي اليوم التالي تدعى المذيعة والفنان لتكريمهما في مؤسسات معتبرة، ويحصل أحدهما أو كلاهما على هدية ثمينة، سيارة فخمة أو فيلا بملايين الجنيهات، تكون الرسالة الموجهة إلى الشباب هنا أن الطريق الأسهل والأسرع للصعود هو التفاهة والسفاهة وليس العلم والثقافة.
ومن العبث الظن بأن إسقاط المرجعيات الكبرى يجري عشوائيا، كلا إنما هي خطط معدة ومدروسة ومصروف عليها بسخاء من راع واحد يروج للتفاهة والسفاهة، حتى يتكاثر التافهون والسفهاء والمخنثون كالسوس الذي ينخر في جسد الوطن كي يفقد قوى المناعة الكامنة فيه، وهو يدرك تماما أن هؤلاء لن يدافعوا عن وطنهم حين يحتاج إليهم، ولن يقدموا له إنجازا حضاريا يدفع به إلى الأمام.










