يُعدّ الفنان والمخرج المبدع وليد عوني العلامة الفارقة والأب الروحي لتأسيس "فن الرقص المسرحي الحديث" في المنطقة العربية، وتحديداً في مصر عندما أسس فرقة الرقص المسرحي الحديث بدار الأوبرا المصرية عام 1993 بدعوة من وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني.
تلقى عوني تدريبه وأسس مرجعيته الفنية في أوروبا، حيث درس الفن التشكيلي بالأكاديمية الملكية للفنون الجميلة في بروكسل، وعمل لسنوات طويلة مصمماً للسينوغرافيا ومساعداً لرائد الرقص المعاصر العالمي موريس بيجار (Maurice Béjart)، والذي تأثر به كثيراً وصقل رؤيته الفضائية والمفهومية للجسد.
أولاً: الملامح الأساسية لأسلوب وليد عوني الفني
السينوغرافيا التشكيلية الشاملة (المسرحة التشكيلية):
تظهر خلفية عوني كفنان تشكيلي بشكل جلي في كل عروضه؛ فهو لا يتعامل مع المسرح كخشبة أداء بل كـ "لوحة قماشية حية". الإضاءة، الكتل الفراغية، الألوان، والديكور المتحرك تشكل ضغطاً بصرياً يُكمل حركة الجسد ولا ينفصل عنها.
الجسد كلغة حوارية بديلة للكلمة:
يعتمد عوني مبدأ أن "الحركة هي الحوار"؛ فالرقص عنده ليس استعراضاً تزيينياً أو تعبيراً مجانياً، بل هو النص الدرامي نفسه. الجسد هو أداة التفكير والتعبير عن الهواجس النفسية والفلسفية.
تبيئة المسرح المعاصر واستلهام التراث:
بإرشادات من أستاذه بيجار، عاد عوني إلى الجذور الشرقية،تميز أسلوبه باستلهام الرموز الفكرية والفنية والثقافية العربية والمصرية، مثل: نجيب محفوظ، شادي عبد السلام، محمود مختار، قاسم أمين، إخناتون، وقضايا التراث والسياسة المعاصرة (كالعدوان على غزة ونكبة فلسطين).
الدراماتورجيا المركبة والغموض الرمزي:
تعتمد عروضه على بناء مفاهيمي (Conceptual) يعتمد على التكثيف والرمز، والابتعاد عن السرد الحكائي المباشر (Non-linear Narrative)، متيحاً للمتلقي مساحة واسعة للتأويل والتفسير البصري.
ثانياً: مزايا أسلوبه الفني (الإيجابيات)
التأسيس والريادة: فتح آفاقاً جديدة للمسرح العربي لم تكن معروفة من قبل، وخرج بالرقص من إطار “الاستعراض النمطي” أو “الباليه الكلاسيكي” إلى فضاء المسرح التعبيري الحديث.
الوحدة العضوية للعرض: يكتب الرؤية، ويصمم السينوغرافيا، والإضاءة، والحركة بنفسه، مما يخلق اتساقاً هارمونياً شديد التماسك بين الصوت، الضوء، والجسد.
العمق الثقافي: عروضه ليست شكلاً بلا مضمون، بل تحمل طابعاً فكرياً ونقدياً يناقش الهوية، القهر، التاريخ، والوجود الإنساني.
تخريج أجيال من الفنانين: احتضنت فرفته عشرات الراقصين والمصممين الشباب الذين أصبحوا فيما بعد قادة لحركة الرقص المعاصر في مصر والوطن العربي.
ثالثاً: الانتقادات السلبية والمآخذ على أسلوبه
غموض الرؤية والنخبوية:
يُعاب على بعض عروضه الإغراق في التجريد والرمزية، مما يجعل العرض مغلقاً أو عصياً على الفهم للجمهور العريض، فيتسم بالطابع النخبوي.
الاستئثار بكافة عناصر العمل (الهيمنة الإبداعية):
يقوم عوني بتصميم الإخراج، السينوغرافيا، والدراماتورجيا وحركة الراقصين بنفسه دون الاستعانة بكاتب أو سينوغراف مستقل في كثير من الأحيان؛ وهو ما اعتبره بعض النقاد نوعاً من الفردية التي قد تؤدي أحياناً إلى تكرار بعض المفردات البصرية والتكوينات الجسدية بين عرض وآخر.
طغيان الصورة على الدرما في بعض الأحيان:
يرى بعض نقاد المسرح التقليدي أن الانشغال بالبهرجة البصرية والتشكيل الفراغي يأتي أحياناً على حساب تطور الحبكة أو الصراع الدرامي، فيتحول العرض إلى “لوحات تشكيلية متحركة” أكثر منه نصاً مسرحياً ممتداً.
رابعاً: عرض لما كُتب عنه في النقد المسرحي (بين الإيجاب والسلب)
لقد أثارت تجربة وليد عوني منذ بدايتها في التسعينيات جَدلاً نقدياً واسعاً، ويمكن تقسيم ما كُتب عنه إلى اتجاهين رئيسيين:
- النقد الإيجابي والاحتفاء التجريبي:
جرجس شكري والنقاد المعاصرون: أشادوا بدوره في “إحداث تغييرات كبيرة في فكر المسرح المصري” منذ انطلاق مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، مؤكدين أن تجربته الغريبة في بدايتها سرعان ما أصبحت راسخة ومؤثرة بفضل اعتناء عوني بالهوية العربية والتراث البصري.
جمال عبد الناصر (ناقد مسرحي): كتب ووصف وليد عوني بـ “صانع الثورة في المسرح المصري”، مشبهاً ثورته البصرية والفيزيائية بما أحدثه المخرج الروسي “مايرهولد” في اعتماد بيوميكانيك الجسد، ومثنياً على قدرته على خلق “مشهدية مغايرة لكل ما هو مألوف بمفردات مرئية وحسية مبهرة”.
متابعات العروض التراثية (مثل “انتصار حورس” و”سقوط إيكاروس”): أشاد النقد المكتوب عن هذه العروض بقدرة عوني على إسقاط التاريخ على الحاضر السياسي، وتحويل النصوص الكلاسيكية والأسطورية إلى صراع عصري ملموس يتوسل بالرمز والجسد.
- النقد السلبي والرفض الأول:
صدمة البدايات ورفض التيار التقليدي: عند تقديمه لعرض “سقوط إيكاروس” في افتتاح المهرجان التجريبي عام 1993، واجه عوني هجوماً نقدياً حاداً من رواد المسرح التقليدي؛ حيث سخر الفنان والمخرج الكبيرة كرم مطاوع وعدد من النقاد والجمهور من العرض لعدم فهمهم للغة الجسد التعبيرية حينها، ووصل الأمر ببعض المتابعين للقول له “عد إلى بلادك”.
نقد “المسرح بلا كلام”: كتب بعض نقاد الكلمة والنص أن مسرح وليد عوني يفتقد إلى “المعنى المباشر” ويتعمد تغييب النص المكتوب لصالح حركة قد تبدو مبهمة أو مجانية للمتلقي الذي اعتاد على المسرح اللفظي التقليدي.
خلاصة
يبقى وليد عوني رقماً صعباً ومجدداً حقيقياً في تاريخ المسرح العربي المعاصر؛ حيث نجح في طمس الحدود الفاصلة بين الفن التشكيلي، والرقص، والدراما المسرحية، محولاً الجسد إلى وثيقة نقدية وفكرية قادرة على طرح أعتى الأسئلة الإنسانية والسياسية على الخشبة.
وليد عوني والجمهور
تُعتبر العلاقة بين وليد عوني والجمهور رحلةً تحولية فريدة، مرت بمراحل متناقضة تتراوح بين الصدمة والرفض في البدايات، وصولاً إلى الاستئناس والاعتياد وتقدير القيمة التجريبية مع مرور العقود.
فقد كان وليد عوني يدرك دائماً أن “كل فن جديد يُتهم بالنخبوية حتى يجد طريقه إلى المتلقي”، وأن وظيفة المبدع ليست تلبية رغبات الجمهور السائدة، بل العبور به إلى مناطق جمالية وفكرية مغايرة، ومن هذا المنطلق مرت علاقة وليد عوني بالجمهور عبر ثلاثة محاور رئيسية:
1- الصدمة الأولى والرفض (مرحلة التسعينيات)
عندما أسس وليد عوني فرقة الرقص المسرحي الحديث بدعوة من وزير الثقافة الأسبق فاروق حسني عام 1993، كان مفهوم الرقص لدى الشارع المسرحي العربي والمصري ينحصر إما في الباليه الكلاسيكي أو الفلكلور والفنون الشعبية، أو الرقص الاستعراضي التجاري.
الصدام في “سقوط إيكاروس” (1993): عندما قدم عوني عرض “سقوط إيكاروس” في افتتاح مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي، أحدث العرض صدمة عنيفة لدى الجمهور والنقاد المحافظين؛ إذ لم يعتد المتلقي على مسرح يخلو من الكلام تماماً ويتوسل بالجسد والسينوغرافيا والرمز.
ردود الفعل: صرخ بعض الحضور والنقاد في القاعة، ووصل الأمر ببعضهم للمطالبة بـ “طرد عوني وإعادته إلى بلاده” (كونه لبنانياً)، مُتهمين إياه بتقديم “لاشيء” أو طمس الهوية اللفظية للمسرح.
2-التجسير واختراق الجمهور عبر “الهوية والتراث”
فطن وليد عوني سريعاً إلى أن الرفض يعود لغربة الشكل الفني، فقرر بناء “جسور تواصل” مع الجمهور دون أن يتنازل عن طابعه التجريبي، وكان مفتاح ذلك هو “استلهام الهوية والرموز الوطنية والثقافية”.
أنْسَنَةُ التراث: تحول عوني إلى تقديم عروض تستحضر رموزاً تحظى بمكانة وجدانية عميقة لدى الجمهور المصري والعربي، مثل:
نجيب محفوظ (عروض مستوحاة من عالمه الروائي).
محمود مختار (عرض “رياح الخماسين”).
شادي عبد السلام (عرض “المومياء”).
قاسم أمين، وإخناتون، وتحية كاريوكا، والنكبة وقضايا فلسطين.
أثر هذه الخطة: عندما شاهد الجمهور رموز ثنائيات التاريخ والسياسة والأدب تتجسد أمامهم في لوحات حركية تشكيلية، تحولت نظرتهم من الغرابة والاستهجان إلى التفاعل والارتباط.
3- فلسفة عوني في التعامل مع المتلقي (الجمهور كشريك في إنتاج المعنى)
يمتلك وليد عوني رؤية فلسفية حول الدور المنوط بالجمهور أثناء مشاهدة الرقص المعاصر:
رفض السرد المباشر والتفسير الأحادي: يرفض عوني تقديم “كتالوج” أو تفسير جاهز للعرض، ويرى أن نجاح عمله لا يقاس بمدى تطابق فهم الجمهور مع رؤيته الشخصية كصانع للعرض.
حرية التأويل: بفضل خلفيته الفنية التشكيلية، يتعامل مع الخشبة كـ “لوحة متحركة” يترك للمتلقي الحرية الكاملة لقراءتها وتأويلها وفقاً لثقافته وخلفيته النفسية، معتبراً أن “تعدد التأويلات لدى الجمهور هو ثراء للعمل الفني نفسه”.
صناعة “جمهور نخبوي جديد”: لم يستطع عوني اجتذاب “الجمهور الجماهيري العريض” لكون عروضه نخبوبة بطبعها، ولكنه نجح في خلق وتدريب جمهور مسرحي نوعي من الشباب والسينوغرافين والمسرحيين باتوا ينتظرون عروضه في دار الأوبرا والمهرجانات لمتابعة تطور الحركة البصرية والجسدية.
و خلاصة ذلك تحول الجمهور مع وليد عوني من موقف الرافض والمصدوم في البدايات إلى المتأمل المشدود للسينوغرافيا والرمز. وعلى الرغم من أن عروضه ظلت في منطقة “الفن التجريدي النخبوي”، إلا أنه نجح في جعل المسرح الراقص جزءاً أصيلاً ومحترماً من الخريطة الثقافية والمهرجانات العربية، وأثبت للجمهور أن الجسد والضوء قادران على قول ما تعجز عنه مئات الكلمات.
تلاميذ مدرسة وليد عوني بين التقليد والتجديد
تخرّج في مدرسة وليد عوني وفرقته (فرقة الرقص المسرحي الحديث بدار الأوبرا المصرية) عددٌ من أبرز صانعي المشهد الحركي والمسرحي المعاصر في مصر والعالم العربي؛ ولم يكونوا مجرد “مقلدين”، بل استوعبوا القواعد والتقنيات الأساسية التي أرسى دعائمها، ثم انطلق كلٌّ منهم لبناء مشروع واستقلالية جمالية خاصة.
أبرز التلاميذ وما أضافوه للرقص المعاصر:
مناضل عنتر:
ما أضافه وتفرّد به: اتجه نحو مسرحة النصوص الأدبية والأسطورية العالمية برؤية حركية درامية متماسكة (مثل معالجته الحركية لنص اللمس الذهبي وعطيل وألف ليلة وليلة).
وجه الاختلاف: خرج من التجريد البصري والتشكيلي البحت الذي تميز به عوني إلى السرد الدرامي الحركي الأكثر اقتراباً من بناء الشخصيات والبناء الحبكي المسرحي الصريح.
كريمة بدير:
ما أضافت وتفرّدت به: ركّزت على القضايا النسوية، والجسد الأنثوي، والتراث العربي والمصري (مثل تقديمها لعروض استلهمت حكايات طوق الحمامة وشخصيات تراثية وتاريخية).
وجه الاختلاف: شحنت الحركة بطاقة انفعالية وجدانية عالية ونسيج تعبيري حميمي، مبتعدةً عن برودة التشكيل الهندسي والفضائي الصارم لصالح العاطفة والعمق الإنساني والنفسي للجسد.
سالي أحمد:
ما أضافت وتفرّدت به: ركزت على الصراع النفسي والاجتماعي للأنثى المعاصرة، واهتمت بالدمج بين تقنيات الرقص الحديث وعناصر المسرح الفيزيائي (Physical Theatre).
وجه الاختلاف: تميزت عروضها بالجرأة في التعبير الحركي والتركيز على مفردات واقعية ومعاصرة تمس الهواجس اليومية للمرأة، بعيداً عن رمزية عوني التاريخية والأيقونية.
محمد شفيق:
ما أضافه وتفرّد به: ركّز على المبادرات المستقلة ومفهوم “التجهيز في الفراغ” (Installation Performance) والعمل في المساحات غير التقليدية خارج مسارح الأوبرا.
وجه الاختلاف: اتجه نحو التجريب الأدنى (Minimalism) والاعتماد على اختزال التشكيل البصري للحد الأقصى، خلافاً لسينوغرافيا عوني الضخمة والمركبة.
هل كانوا مجرد مقلدين؟
تأثر في التقنية والبنية: لا شك أن هؤلاء الفنانين تشربوا من وليد عوني دقة الانضباط الصارم، وأهمية السينوغرافيا، واستخدام الجسد كوسيط فكري لا مجرد أداة استعراضية.
استقلالية في الرؤية: لم يقعوا في فخ التكرار الشكلي لمؤسس الفرقة؛ فبينما غلب على مسرح عوني “الطابع التشكيلي المفاهيمي والرمزي الضخم” المتأثر بموريس بيجار والفن التشكيلي، اتجهت تجارب تلاميذه نحو “الدراما الحركية، التعبير النفسي، والتجسيد الاجتماعي الواقعي”، مما أثرى حركة الرقص المعاصر العربية بتنوع وزخْمٍ حقيقيين.
سبل انتشار الرقص المسرحي المعاصر وكسب جمهور جديد
يتطلب انتشار الرقص المسرحي المعاصر وتوسيع قاعدة جمهوره الانتقال من دائرة “الفن النخبوي المغلق” إلى فضاء أكثر انفتاحاً وتفاعلية، دون التنازل عن القيمة الفنية والجودة التجريبية.
وتتلخص أبرز السبل والآليات التي أثبتت نجاحها عملياً في النقاط التالية:
مسرحة النصوص والرموز الثقافية: ربط العروض الحركية بنصوص أدبية، أو قضايا تاريخية وإنسانية، أو رموز فكرية مألوفة لدى الجمهور؛ حيث يمنح هذا الربط المتلقي مفتاحاً مفهومياً يسهل عليه فك تشفير العرض والتفاعل معه.
الخروج من الصالات المغلقة (المسرح البديل): تقديم العروض في المساحات العامة، الحدائق، ساحات المواقع الأثرية، والمراكز الثقافية المفتوحة؛ مما يكسر حاجز الرهبة لدى الجمهور العادي ويحقق عنصر “المفاجأة البصرية”.
التكامل مع وسائط الميديا والتكنولوجيا: توظيف الفيديو آرت (Video Mapping)، والتفاعل مع المؤثرات الرقمية، واستغلال منصات التواصل الاجتماعي لعرض مقاطع قصيرة كواليسية تركز على الجهد البدني والقصة خلف الحركة.
التثقيف والتفاعل المباشر (ورش العمل والندوات): تنظيم ندوات نقاشية مفتوحة بعد العروض (Talkbacks)، وورش عمل مبسطة للجمهور غير المتخصص لتوضيح فلسفة “لغة الجسد” وأن الحركة أداة تعبيرية ليست معقدة.
الدمج بين الرقص المعاصر وفنون أخرى: التعاون الشراكي مع الموسيقى الحية (الشرقية أو الإلكترونية)، والفنون التشكيلية، والسينما؛ مما يسهم في جذب جمهور تلك الفنون الموازية إلى صالات الرقص.
تأسيس “مسرح الطفل والنشء الحركي”: تقديم عروض موجهة للأطفال والشباب تعتمد على الحركة والمسرح الفيزيائي، لبناء ذائقة بصريّة نقدية لدى الجيل الجديد منذ الصغر.










