المصداقية هي الأخرى أحد أصول القوة؛ إنها أصل يبنى بشق الأنفس عبر أجيال، ويمكن، على نحو مذهل، إنفاقه وتبديده بسهولة؛ خلال أزمة الصواريخ الكوبية، أرسل الرئيس جون كينيدي وزير الخارجية السابق دين أتشيسون إلى باريس لإطلاع شارل ديغول على اكتشاف الصواريخ النووية السوفيتية في كوبا؛ حمل أتشيسون معه صور الاستطلاع الجوي لإثبات الأمر؛ لكن ديغول، الذي لم يكن قط تابعا مطيعا للولايات المتحدة، أشار إليه ألا حاجة لها؛ قال إنه لا يحتاج إلى رؤية الأدلة؛ كانت كلمة رئيس الولايات المتحدة وحدها كافية؛ أما اليوم، فمن المستحيل تخيل ذلك المشهد.
أمريكا وإيران، لا يعرفان متى ينتصران؟
استغرقت عملية “مطرقة منتصف الليل”، وهي أول ضربة أمريكية على الإطلاق ضد إيران، 37 ساعة في يونيو 2025، وألقت خلالها الولايات المتحدة 420 ألف رطل من المتفجرات على منشآت تخصيب اليورانيوم الإيرانية؛ وبعد انتهاء العملية، أعلن دونالد ترامب أن القدرات النووية الإيرانية “دُمرت بالكامل وبصورة تامة”؛ لكن بعد ثمانية أشهر فقط، عادت الولايات المتحدة إلى الحرب؛ أطلقت عملية “الغضب الملحمي”، وهي حملة خاضتها الولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل، موجة أوسع من الغارات على أهداف إيرانية؛ وتحولت العملية إلى حرب مستمرة منذ ما يقرب من ستة أشهر، ولا تظهر مؤشرات تذكر على قرب انتهائها؛ قد تبدو المواجهتان حربين منفصلتين، لكنهما في الحقيقة فصلان من الصراع نفسه؛ صراع نتج عن نحو نصف قرن من العداء الأمريكي الإيراني.
وبعد أشهر من تبادل القصف والمساومات بشأن شروط وقف إطلاق النار، أصبح واضحًا أن أيا من الطرفين لا يستطيع تحقيق نصر حاسم؛ ولهذا، يُرجح أن تشهد الحرب دورات متكررة من القتال؛ ولن تنجح المحادثات وحدها في تسوية التوترات الأساسية بصورة دائمة، بل قد تستغل كل جولة من الهدوء لإعادة بناء القدرات وتحسينها استعدادًا للجولة التالية؛ بالنسبة إلى إيران، تتمثل أوراقها الأساسية في قدرتها على التحكم بمضيق هرمز وفرض تكاليف على الاقتصاد العالمي، أما الولايات المتحدة فتعتمد على تفوقها الهائل في القوة العسكرية؛ والنتيجة: صراع طويل ودموي بلا حسم، على الأقل في المستقبل المنظور.
التاريخ وحروب الإستنزاف
التاريخ مليء بهذا النوع من الحروب؛ والولايات المتحدة نفسها خاضت حروبًا طويلة في فيتنام والعراق؛ ففي العراق، تمكن الجيش الأمريكي من إسقاط صدام حسين بسرعة، لكنه لم يتمكن بذلك من كسب قلوب العراقيين وعقولهم؛ وبعد ستة أسابيع فقط، أعلن بوش “إنجاز المهمة”، لكن التمرد الذي أعقب ذلك استمر قرابة عقد كامل؛ وإيران تعرف الحروب الطويلة أيضًا؛ فقد خاضت حربًا دامية استمرت ثماني سنوات ضد العراق في ثمانينيات القرن الماضي، وكانت تلك الحرب عاملًا أساسيًا في تشكيل استراتيجية الردع غير المتماثل الإيرانية، وترسيخ نهجها في خوض حروب الاستنزاف؛ تنشأ الحروب الممتدة عندما توجد فجوة كبيرة بين التوقعات السياسية والعسكرية وبين الواقع؛ فلا تُعرّف الحرب الطويلة بعدد معين من السنوات، وإنما تبدأ عندما يتعذر تحقيق الأهداف العسكرية بسرعة، وتظل التسوية السياسية بعيدة المنال، بينما يحتفظ الطرفان بالقدرة والإرادة لمواصلة القتال؛ وهكذا تولد الحرب الطويلة: دورات من العنف، تتخللها فترات توقف يعيد خلالها كل طرف تشكيل قواته وقدراته.
ومن هذا المنظور، تصبح اتفاقات وقف إطلاق النار فرصًا لإعادة التسلح أكثر منها أسسًا للسلام؛ والمنتصر في حرب الاستنزاف هو الطرف القادر على تحمل التكلفة مدة أطول، والبقاء واقفًا في النهاية؛ لكن الولايات المتحدة، رغم خبرتها السابقة، قاومت استخلاص هذه الدروس؛ فما زالت تميل إلى الاعتقاد بأن التفوق العسكري يكفي لخوض الحروب والانتصار فيها بسرعة؛ والآن تسير حرب إيران في الاتجاه نفسه؛ قبل الثورة الإسلامية عام 1979، كانت إيران شريكًا استراتيجيًا للولايات المتحدة، وإحدى الركيزتين اللتين اعتمدت عليهما واشنطن لضمان أمن المنطقة خلال الحرب الباردة؛ لكن أزمة الرهائن عام 1979 غيرت العلاقات جذريًا؛ أصبحت الدولتان عدوتين، وترسخت في واشنطن مواقف متشددة تجاه إيران، بينما ظهر في طهران متشددون مدفوعون بالرغبة في طرد الولايات المتحدة من الشرق الأوسط.
ومنذ ذلك الحين، ترسخ عداء متبادل عميق، رغم محاولات محدودة لخفض التصعيد والتواصل، بما في ذلك بعد هجمات 11 سبتمبر وأثناء مفاوضات الاتفاق النووي عام 2015؛ حتى يونيو 2025، كانت المواجهة المباشرة نادرة، وحل محلها العقوبات وحروب الوكالة؛ لكن الجولة الحالية كانت مختلفة؛ مثل رؤساء أمريكيين كثيرين سبقوه، وقع ترامب في فخ وهم الحرب القصيرة؛ كان يعتقد أن التفوق العسكري الأمريكي سيطغى على إيران، وأن الحرب ستنتهي خلال أربعة إلى ستة أسابيع؛ لكن النجاحات التكتيكية لم تتحول إلى نصر استراتيجي سريع؛ ربما كان ترامب يريد حربًا قصيرة، لكن للخصم رأيه أيضًا؛ إيران اختارت استراتيجية غير متماثلة تناسب الحرب الطويلة: مسيرات رخيصة، وصواريخ باليستية، واستهداف القواعد العسكرية والبنية التحتية للطاقة، واستنزاف الدفاعات الأمريكية والخليجية.
إغلاق المضيق والحروب الطويلة
وفي الجولة الأخيرة، كانت التكلفة على إيران هائلة؛ استُهدفت منشآت عسكرية ومناطق مدنية وبنية تحتية ومنشآت لإنتاج الطاقة، وقُتل كبار قادة الدولة، بمن فيهم المرشد الأعلى؛ لكن استعدادات إيران مكنت مؤسسات الدولة والجيش من الصمود؛ وضبطت طهران مستوى ردودها بعناية قوية بما يكفي لإحداث تأثير، لكنها محدودة بما يكفي للاحتفاظ بخيارات تصعيد إضافية؛ وللمرة الأولى، استخدمت إيران أيضًا ورقة امتلكتها منذ زمن لكنها لم تكن متأكدة من مدى فاعليتها: إغلاق مضيق هرمز؛ وقد أدى نجاح هذه الورقة فور استخدامها إلى إطالة أمد الحرب؛ تحاول إيران الآن إطالة الحرب بهدف إنهاك إرادة الولايات المتحدة في الاستمرار؛ وفي المقابل، تحاول واشنطن قصف إيران حتى تخضع، عبر إضعاف قدراتها الصاروخية وقدرات المسيرات، وضرب منشآت الإنتاج لمنعها من إعادة بناء ترسانتها، وزيادة الضغط الاقتصادي عليها.
لكن الحروب الطويلة تميل بطبيعتها إلى التوسع، جغرافيًا ومن حيث عدد الأطراف المشاركة فيها؛ وقد دخل الحوثيون في اليمن إلى المواجهة، مهددين الملاحة في البحر الأحمر، بينما تطلق ميليشيات عراقية حليفة لطهران الصواريخ والمسيرات باتجاه دول الخليج؛ وهذا التوسع جزء أساسي من استراتيجيات الاستنزاف التي تتبعها واشنطن وطهران؛ كل طرف يرى أن الاستنزاف هو الطريق الأكثر قابلية لتحقيق ما يعتبره “انتصارًا”؛ لكن المشكلة أن الولايات المتحدة تستطيع قصف منصات الصواريخ والمنشآت العسكرية وشبكات القيادة، لكنها لا تستطيع بالقصف إجبار طهران على قبول اتفاق، ولا تستطيع ضمان ألا تعيد إيران بناء ما دُمر.
وفي المقابل، تستطيع إيران فرض تكاليف كبيرة على خصومها، لكنها لا تستطيع هزيمة الولايات المتحدة عسكريًا أو ضمان ألا تتعرض لهجوم جديد في المستقبل؛ وهكذا يصل الطرفان إلى المعضلة نفسها وهي أن كلاً منهما يملك القدرة على منع هزيمته، لكن لا يملك القدرة على تحقيق نصر حاسم؛ أهداف واشنطن نفسها تقلبت من تغيير النظام، إلى إضعاف القدرات الدفاعية الإيرانية، إلى ضمان ألا تمتلك إيران سلاحًا نوويًا؛ أما إيران، فكان هدفها أكثر ثباتًا وهو البقاء، ومن خلال البقاء امتلاك القدرة على ردع حروب مستقبلية؛ وفي نهاية المطاف، سيتعين على الولايات المتحدة وإيران إدراك أن القوة العسكرية لن تكسر هذه الحلقة؛ وحدها الدبلوماسية، وما تتطلبه من تنازلات، يمكنها معالجة الخلافات السياسية التي غذت عقودًا من العداء وانتهت إلى هذه الحرب المكلفة.
الكاتب الصحفي والباحث في العلاقات السياسية الدولية









