كانت الساعة تشير إلى السابعة مساءً ، أو ربما العاشرة صباحاً ، لم يعد “مراد” يفرق بين الضوء القادم من النافذة إن كان شروقاً أم غروباً .
جلس على كرسيه الهزاز المفضل ، يمسك بيده ساعته الذهبية التي أهداها له والده يوم تخرجه. كل شيء في الغرفة يبدو مألوفاً ، لكنه في الوقت ذاته يحمل غربة ثقيلة . الجدران الخشبية، اللوحة المعلقة فوق المدفئة ، حتى الرائحة…. رائحة الشاي بالنعناع التي تفوح من المطبخ .
دخلت امرأة في الثلاثينيات من عمرها ، تحمل كوباً دافئاً وتعلو علي وجهها إبتسامة تحمل مزيجاً من الحب والإرهاق .
”تفضل أشرب يا أبي ، الجو بدأ يبرد” .
نظر إليها مراد بطرف عينيه ، واعتراه شك مفاجئ . الملامح معروفة ، والصوت يشبه صوت ابنته “مريم”، لكن عينيها تختلفان . هل هذه مريم حقاً ؟ ، أم أنها إمرأة غريبة ادعت ذلك لتأخذ منه بيته؟.
سألها بنبرة حادة ، محاولاً إخفاء خوفه خلف ثوب من السلطة الأبوية التي طالما امتلكها “أين مريم ؟”.
توقفت المرأة لبرهة ، وانكسرت ابتسامتها قليلاً قبل أن تستجمع شتات نفسها ، “أنا مريم يا أبي.. ابنتك”.
”لا ، أنت لست مريم” قالها بغضب وهو يقف فجأة ، لكن ساقيه خانتاه ليتشبث بمسند الكرسي”. مريم كانت هنا منذ قليل ، أخبرتني أنها ستسافر إلى باريس… لماذا تحاولون إقناعي بغير ذلك؟ أنا بخير ، وأستطيع إدارة حياتي بنفسي ، لا أحتاج لممرضات أو غرباء في بيتي”
لم تصرخ مريم ، ولم تجادله ، جلست عند قدميه وأمسكت بيده المرتعشة .
كانت هذه اللحظة هي الأشد حزناً ، أن تنظر في عين شخص أفنى عمره يحميك ، لترى أنه لم يعد يعرف من تكون ، وأن المعركة ليست بينه وبينك، بل بينه وبين العالم الذي يتلاشى من حوله قطعة قطعة .
في تلك اللحظة ، تغير الديكور في ذهن مراد .
لم تعد الغرفة هي غرفته ، والأثاث أصبح غريباً ، والأبواب لم تعد تؤدي إلى الممر المعتاد . تسلل الشك إلى كل مكان ، من هذا الرجل الذي يجلس على الأريكة ويقرأ الجريدة وكأنه صاحب البيت؟ متى تغيرت ألوان الجدران؟ وأين ذهبت ساعته؟
بحث في جيبه ، فلم يجد الساعة ، سرقوها ! معتقد أن أحدهم دخل وسرق ذكرياته !
بدأ التأرجح بين الغضب العارم والخوف الفطري. حاول أن يتذكر أسم زوجته ، أسم الشارع الذي نشأ فيه ، أول يوم عمل له… لكن الأسماء كانت تتسرب من بين أصابعه مثل الماء . لم يعد الأمر يقتصر على نسيان أين وضع مفاتيحه أو ماذا أكل في الصباح ، لقد بدأ البناء الكلي لكيانه ينهار.
تراجع مراد إلى الخلف حتى لامس ظهره الحائط. انسالت دمعة على خده الذي يغطيه التجاعيد ، وسقطت كل دروع الكبرياء والإستقلالية التي عاش بها لثمانين عاماً .
نظر إلى المرأة الواقفة أمامه ، وبصوت خافت تشوبه نبرة طفل ضائع في إزدحام المدينة .
قال ”أنا لا أفهم ما يحدث… أين أنا؟ وأين أمي؟ أود أن أذهب إلى البيت…”
اقتربت منه مريم ، و احتضنته بدفء وهي تبكي بصمت ، يدرك كلاهما في تلك اللحظة الحقيقة القاسية ، البيت لم يعد مكاناً ، ومراد لم يعد يفقد ذكرياته فحسب ، بل كان يفقد أوراق شجرته واحدة تلو الأخرى ، حتى لم يعد يتبقى منه سوى أثر لنفسه القديمة . أستمرت الأيام بالتدفق كأنها نهر من الضباب ، لم يعد الوقت يتألف من ساعات، بل من لحظات خاطفة يطفو فيها “مراد” على سطح الواقع لثوان ، قبل أن يبتلعه القاع مجدداً .
في صباح أحد الأيام ، استيقظ مراد على صوت خطوات في الصالة . خرج بخطوات متقطعة وهو يرتدي معطفه الشتوي . هناك ، عند طاولة الطعام ، كانت مريم تجلس مع رجل غريب يرتدي بذلة أنيقة ، أمامهما أوراق ومستندات رسمية .
وقف مراد في منتصف الغرفة ، وشعر ببرودة تسري في أطرافه . سأل بصوت يرتجف من الغضب والخوف ، “من هذا الرجل؟ وماذا تفعلون ببيتي؟”.
التفتت مريم ، وكان وجهها شاحباً ، وعيناها محاطتان بهالات سوداء تشهد على أرق شهور طويلة . قالت بنبرة هادئة تحاول ترميمها ، “أبي… هذا الأستاذ سامح ، المستشار القانوني . نحن نناقش ترتيبات نقل ملكية الشقة وتدبير مصاريف دار الرعاية…”
سقطت الكلمات على رأس مراد كالصاعقة . دار الرعاية؟.
تراجع مراد إلى الخلف ، وأهتزت يداه بشدة وهو يشير إليها بسبابته ، “أنت خائنة! أنت لست ابنتي! ابنتي مريم تحبني ، لا تبيع بيتي ولا تطردني إلى الشارع ، أنت امرأة غريبة تسللت إلى هنا لتسرقيني”.
لم تكن هذه المرة الأولى التي يتهجم فيها عليها ، لكن الألفاظ هذه المرة كانت كالسكين التي غرست في قلبها . أغمضت مريم عينيها بقوة ، وحاولت أن تتنفس ، لكن خنقها الشعور بالذنب والعجز . كانت تقف أمام خيارين أحلاهما مر ، إما أن تترك عملها وحياتها وبيتها الذي ينهار بالتدريج لترعاه بمفردها ، أو أن تسلمه لغرباء يعتنون بجسده بينما يتلاشى عقله .
”أنا أعمل لأجلك يا أبي” صرخت مريم أخيراً بصوت خنقته العبرات ، متخلية عن ثباتها المعتاد. “أنا أستيقظ كل يوم لأجد شخصاً جديداً في جسد أبي ، شخصاً يكرهني ، يشتمني ، ويزعق في وجهي ، أنت لا تعرف كم هو مرعب أن أستيقظ كل صباح لأتوسل إليك كي تتذكر اسمي”.
نظر إليها مراد بذهول . في عائلته ، لم يكن أحد يجرؤ على رفع صوته بوجهه . حاول أن يستجمع هيبته القديمة ، لكن التشتت باغته كالعادة . تغيرت ملامح الغرفة فجأة في عينيه ، أختفى الرجل الأنيق ، وأصبحت الطاولة فارغة ، ولم تعد المرأة أمامه تبدو غاضبة ، بل كانت تبكي كطفلة فقدت أملها الأخير .
انتابه ارتباك أشد إيلاماً من الغضب . أقترب منها خطوة بخطوة ، ممدود اليد ببطء ، “لماذا تبكين يا بنيتي؟ هل ضايقك أحد؟ أين والدك ليحميك؟”
كانت هذه هي الذروة في معاناتها ، ألم يستنزف روحها حتى النخاع . والدها يقف أمامها ، يواسيها بنفس الحنان الذي غمرها به طوال طفولتها ، لكنه يفعل ذلك وهو لا يدرك أنه هو نفسه مصدر الجرح ، وأنه يبحث عن “والدها” لإنقاذها منه .
سقطت مريم على ركبتيها أمام الأريكة ، وغطت وجهها بيديها وهي تبكي بصوت مسموع ، أما مراد ، فجلس بجوارها على الأرض ، يطبطب على ظهرها بيده المرتجفة ، محاولاً تذكر سبب دموعها ، أو سبب تواجدهما










