فى مطلع عام 2008 نشر الكاتب الأمريكى جراهام فولر (نوفمبر 1936/ يناير 2026) مقالا مطولا في مجلة (فورين بوليسى) الأمريكية تحت عنوان (عالم بلا إسلام)، ورغم أن عنوان المقال صادم ومستفز إلا أن المجلة اختارت أن تضعه على غلافها الخارجى، وجعلت الخلفية مئذنة وقبة لمزيد من إيضاح المغزى، ثم قام الكاتب بتطوير المقال فيما بعد وأصدره في كتاب.
يدور المقال حول سؤال يقول: ماذا كان يمكن أن يحدث فى هذا العالم لو لم يأت إليه محمد صلى الله عليه وسلم برسالة الإسلام؟ ويستعين الكاتب في إجابته عن السؤال بنظرية تخيلية للنظام العالمى بدون الإسلام، ويرد على مزاعم المتطرفين فى الغرب بأن الإسلام سبب مشاكل العالم، من الإرهاب والفوضى إلى الفقر والديكتاتورية.
يقول جراهام فولر إن الصراعات على السلطة والنفوذ والأرض ظهرت في العالم قبل ظهور الإسلام، ولا يمكن إقصاء الدين من المعادلة، وإذا لم يظهر الإسلام كانت الديانات القديمة ستفرض نفسها على صراعات السلطة والنفوذ، كما كان الحال بين الفرس والروم، ومعروف أن الحروب الصليبية لم تكن مغامرة دينية فحسب، وإنما كانت أسبابها الرئيسة سياسية واقتصادية واجتماعية، والصليب لم يكن إلا رمزا لمباركة المطالب الدنيوية للأوروبيين، وحتى في عصر النفط هل ستقبل دول الشرق الأوسط ـ ولو كانت مسيحية ـ بوصاية أوروبية؟ بالطبع لا.
وبناء على ما سبق فإن الإسلام ليس السبب الرئيس وراء مقاومة الدول لمشاريع الاحتلال والهيمنة، ولو أن الجزائر كانت مسيحية ـ مثلا ـ كان لابد أن تقاوم الفرنسيين الذين جاءوها من أجل السيطرة على ثرواتها وأرضها الخصبة.
ثم يأتى السؤال الأهم وهو: هل كانت الدول الديكتاتورية ستنعم أكثر بالديمقراطية بدون الإسلام؟ بمعنى آخر: هل الإسلام هو سبب تعثر الديمقراطية؟ وتأتى إجابة جراهام مؤكدة أن الديكتاتورية ليست مرتبطة بالإسلام، بل هى ليست قضية دين من الأساس، وإنما قضية مجتمع وشعب وتطور حضاري، ومن الظلم البين أن تلصق بالإسلام، فأوروبا (المسيحية) عانت طويلا من الديكتاتورية، ولم تتخلص إسبانيا والبرتغال واليونان من الحكم الديكتاتورى إلا منذ عقود قليلة، وروسيا (المسيحية) لم تصل إلى الديمقراطية حتى الآن، وكذلك دول أمريكا اللاتينية.
أما عن المسألة الفلسطينية التى يقدمها اليهود للغرب على أنها صراع دينى فالكاتب يرى أن المسيحيين هم الذين قاموا باضطهاد اليهود لأكثر من ألف عام، وأحرقوهم فى الهولوكوست، ومعاداة السامية نشأت فى الأراضي والثقافة الغربية المسيحية وليس فى الشرق الإسلامي، والدولة اليهودية كانت ستطرد سكان فلسطين الأصليين من أراضيهم وبيوتهم حتى لو كانوا مسيحيين، وهؤلاء كانوا سيقاومون المحتلين اليهود بكل السبل.
ويؤكد الكاتب أن الإسلام صنع حضارة راقية من خلال الرسالة التى حملها، رسالة الحرية والرحمة، وهذه الحضارة أسهمت فى تطوير الفنون والآداب، وقدمت للعالم رؤية أخلاقية تتميز بالعدالة والحكم الجيد، ونجحت فى توحيد شعوب مختلفة الأعراق، وجعلتهم يشعرون أنهم جزء من حضارة أكبر، وبدون الإسلام كان الغرب سيخضع شعوب الشرق الأوسط لسيطرته بالكامل.
أما عن الإرهاب، الاتهام الأول الذى يوجه للإسلام دائما، فيقول الكاتب إن الإرهاب موجود لأسباب عديدة، فالعصابات اليهودية استخدمت الإرهاب ضد البريطانيين فى فلسطين لإجبارهم على تسليم الأراضى لهم قبل إعلان الدولة اليهودية، وجماعة التاميل فى سريلانكا هى التى ابتدعت فكرة التفجيرات الانتحارية، والسيخ قتلوا أنديرا غاندى فى الهند.
وبعد ذلك تصبح الإجابة المنطقية للسؤال هي أن الإسلام ليس سبب مشكلات العالم الآن، لكن يبدو أن العالم يجد من السهل أن يتعامل مع الإسلام على أنه مصدر المشكلة التى يعانى منها بدلا من أن يحد من الآثار الخطيرة للقوى العظمى التى تخلق هذه المشكلات بسياساتها الطائشة الجشعة.
انتهى إلى هنا مقال جراهام فولر، وقد اجتهدت فى أن أنقله لاقتناعى بأن الرجل ينتمى إلى القلة القليلة من كتاب الغرب الذين يمتلكون من الموضوعية ما يمكنهم من رؤية الحقيقة مهما أحاط بها من ضباب كثيف، ويكفي أنه يرى فى الإسلام مالم يره بعض من أبنائه مازالوا يجرحون فيه.
وفى الأسبوع القادم إن شاء الله سأقدم إجابة أكثر تفصيلا عن سؤال جراهام فولر من زوايا حضارية وتاريخية وأخلاقية بمناسبة المولد النبوى الشريف.










