في زمنٍ جفّت فيه القلوب، وانقطعت فيه الأرحام، وانتحر الوفاء في صمتٍ بارد، وهاجرت المبادئ تبحث عن مأوى لا تطاله أيدي النفاق؛ العلاقات مزيفاً؛ كلماتٌ دافئة تخفي وراءها برودةً قاسية، ووعودٌ مزخرفة لا جذور لها، وقلوبٌ تتقن فن الاقتراب حتى تبلغ مرادها، ثم تنسحب وكأن شيئاً لم يكن.
استتر السواد بالبياض، وارتدى الحقد ابتسامةً صفراء، وتوشّح الغدر بثوب النصيحة، واختبأ الطمع خلف ستار المحبة. وامتزج الصدق بالكذب امتزاج معدنٍ براقٍ يخدعك بصفاء مظهره، بينما يخفي في أعماقه زيفاً لا يظهر إلا بعد أن يُمتحن بالنار.
لم يعد كلُّ صامتٍ راضياً، ولا كلُّ مبتسمٍ سعيداً، ولا كلُّ قريبٍ سنداً، ولا كلُّ من مدّ يده إليك يريد أن ينتشلك من عثرتك؛ فبعض الأيدي تمتد لتتأكد فقط من عمق سقوطك.
وفي زحام الأقنعة، تصبح البصيرة أعظم من البصر، ويغدو صدق الإحساس نعمةً لا يمتلكها إلا من خبر الوجوه، وعرف أن الملامح لا تُخبر دائماً عن حقيقة القلوب.
ومع ذلك، يبقى في هذا العالم المتخم بالزيف شيءٌ يستحق أن نتمسك به: أن نكون نحن كما نحب أن نجد الآخرين. أن نحفظ للوفاء مكانه، وللرحم حرمتها، وللكلمة شرفها، وللحقيقة وجهها الواحد الذي لا يتبدل.
فليس أقسى من عالمٍ تتعدد فيه وجوه الحقيقة، إلا أن تفقد أنت وجهك الحقيقي وأنت تحاول النجاة بين الأقنعة.
فاحذر أن يطول بك الوقوف في سوق الوجوه… فتنسى، من فرط ما رأيت، كيف يبدو الوجه الصادق.
الجزائر










