العقوق مشتق من العق، وهو القطع .. والشق، والذي يعق والديه يقطع رحمهما ويشق عصا طاعتهما، وعاقبة العقوق دنيوية، لهم في الدنيا خزي ، وعذاب في الآخرة مقيم .
من العقوق، ما نسميه مجازًا ( عقوق الأوطان ) ، والعقوق الوطني أن تقطع وطنك وتشق عليه عصا الطاعة وتخرج علي أهله شاهرا سيفك ( تفجيرا واغتيالا ) ، ومقابله الإحسان لوطنك، ورعاية مصالحه العليا ، وفي الإحسان للوطن يقول أمير الشعراء “أحمد شوقي”: “وطني لو شُغلتُ بالخلد عنه / نازعتني إليه في الخلد نفسي”، ويعبر طيب الذكر في هذا البيت عن أصح وأصدق درجات الحب والانتماء للوطن، حيث يصور أن نعيم الجنة والخلد لو ألهاه عن وطنه، فإن نفسه ستظل تنازعه وتخف بالحنين والاشتياق للعودة إلى وطنه والتعلق به.
ظاهرة العقوق الوطني، مستحدثة على طباع وسجايا المصريين الأصلاء ، وصفحات التاريخ تشهد بأن المصريين أشد شعوب الأرض تمسكًا بأرضهم وتعلقا بوطنهم ، يحملونه في حدقات العيون ، ويضربون أروع الأمثال في حب الوطن، وقال فيهم القائل: “بلادي وإن جارت عليّ عزيزةٌ.. وأهلي وإن ضنّوا عليّ كرامُ”.. وكما قال عاشق وطنه طيب الذكر “صلاح جاهين”: “على اسم مصر التاريخ يقدر يقول ما شاء / أنا مصر عندي أحب وأجمل الأشياء / بأحبها بعنف وبرقة وعلى استحياء .. “
العقوق الوطني تعبير مجازي يصف جحود الإنسان لبلاده ونكران فضلها والتآمر عليها، وهو يشبه في فداحته عقوق الوالدين، ومن العقوق التخريب المتعمد ، والإضرار العمدي بمقدرات الدولة، والجحود بنكران خيرات الوطن عليه ، والتقليل من شأنه في المحافل ، والانقلاب عليه والتحريض على مصالحه ، والاستواء مع الجهات الخارجية للإضرار الذي يترجم خسارة في الأرواح والمصالح ، وجميعها مجسدة في صور محزنة أمام ناظرينا.
ابتلينا بنفر عاق بوطنه عامدا متعمدا مع سبق الاصرار علي الاضرار ، بين ظهرانينا من يبيت على ثأر، ويستبطن ثأرًا، ويتمنى زوال نعمة الأمن والأمان والاستقرار، مثله مثل العاق بوالديه ، تراه مغتبطًا في نوازل وطنه، متماهيًا مع مخططات أعداء وطنه، نفر عاق منهم يختانون وطنهم في المضاجع الخارجية، ومنهم من ينكر فضل وطنه عليه ووالديه ويتنكر ، ويتشح براية عميّة، ويستقوي على وطنه بعصبة إرهابية، ويقتفي نواقص وطنه يفضحها ويشيرها في الفضاء الإلكتروني، ويغرد بالسوء على علم وطنه، وفي نفسه الأمارة بالسوء ينعت وطنه بفاحش القول، ويقول فيه قولًا مسيئًا.
نعم، يخرج علينا في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون في وطنهم ما يخجل الوطني الحر، ويحزن المخلص الأبي، ويقض مضاجع المحبين لأغلى اسم في الوجود.. وفيهم يقول الشاعر الكبير صلاح عبد الصبور : ” لا أدري كيف ترعرع فى وادينا الطيب هذا القدر من السفلة والأوغاد!”
ظاهرة العقوق الوطني ارتهنت بالخوارج، والخوارج حديثًا، جماعة إرهابية تزعم ربانية، وهي ألد الخصام لوطنها ولأهلها ولناسها، تكفر الركع السجود وتلعنهم على السبحة، وتستبيح سمعتهم، وتخوض في أعراضهم، وتنتهك محارمهم، وتسفك دماءهم.
جماعات عاقة من العقوق، بالحساب مائة عام من العقوق الوطني منذ ولادة الجماعة الإخوانية ، العقوق الوطنى استنته الجماعة الإرهابية منذ تأسيسها في العام ١٩٢٨م، وجريًا على بدعتها الضلالية، ومن أعطافها خرجت جماعات تعق الوطن، وتتآمر على مصالحه، أعملت فيه سلاح التكفير توطئة للقتل غيلة (اغتيالًا)، سمّموا آنية الوطن بأفكار ما أنزل بها من سلطان، ورفعوا رايات سوداء، واستحلوا الآيات البينات، يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية.
العقوق الوطني مسجل في سجلات الخيانة الوطنية باسم ( إخوان البنا ) الذين بلغ بهم العقوق مبلغه، فصاروا حلفاء لكل عدو، حتى العدو الصهيوني، ونصيرًا لكل معتدٍ، حتى للمعتدي الإثيوبي على حق مصر في المياه، وبلغ بهم العقوق مبلغه أن يناصروا المنافسين حتى في كرة القدم، يصطفون صفًا مشجعين ومهللين ومكبرين إذا مُني مرمى مصر بهدف ولو كان ظالمًا..
لن أحدّث عن العقوق الوطني الذي برز جليًا في عدم الوقوف عند تحية العلم، وفي هذا يروي كثير من المخجلات الوطنية، وبين ظهرانينا من لا يعتقد في احترام العلم، ولا حرمة الحدود، ولا قدسية التراب الوطني، ويعزون عقوقهم لما هو باطل ومبتدع ودخيل على الديانات السماوية التي نهت عن العقوق، عقوق الوالدين، وكذا عقوق الأوطان، ويتناسون اشتياق المصطفى صلى الله عليه وسلم لوطنه ومسقط رأسه (مكة)، وهو يبوح بحبها، وهو يودعها مهاجرًا: «والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت».
وصور العقوق الإخواني تتعدد، ومنها الدعوة إلى منع تحويلات المصريين في الخارج إلى الوطن وأنفقوا على مخططهم الخبيث إنفاق من لا يخشى الفقر بشراء التحويلات في منابعها قبل تحويلها لذوي القربي ، ورد عليهم المصريون الأصلاء في الخارج بمضاعفة التحويلات إحسانًا لوطنهم ووفاءً بعهدهم وبرًّا بأولادهم، وصدر عن العاقين من العقوق الوطني، فتاوى باطلة بمنع إرسال لحوم الأضاحي إلى أوطانهم (مسقط رؤوسهم)، وشراء الأضاحي في بلاد بعيدة ( فى إفريقيا وبلاد تركب الافيال ) ليحرموا منها المصريين الطيبين، ورد عليهم المصريون الأصلاء بمزيد من الأضاحي كرمي وقربى لوطنهم.. وكذا هم يعقّون، طبعهم ، والطبع غالب، وكما قال صاحب المثل الشعبي .. نهيتك ما انتهيت والطبع فيك غالب.. لك الله يا وطن.










