سارت الحرب الحالية بصورة سيئة بالنسبة إلى السعودية وحليفتها السابقة في الصراع، الإمارات، إذ دعمتا فصائل مختلفة بينما فشلتا في إزاحة الحوثيين؛ وساعدت هدنة غير رسمية إلى حد كبير عام 2022 في الحفاظ على السلام على طول خطوط المواجهة، وإن تخللتها صراعات داخلية بين الفصائل، مع قيادة الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا السعوديين إلى إجبار الإماراتيين على الخروج من اليمن، بالتزامن مع تهميش وكلائهم المحليين أو استيعابهم في أواخر عام 2025 وأوائل عام 2026؛ وساعد هذا التوحيد الأخير، إلى جانب الصراع الإقليمي بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وحلفائها في “محور المقاومة” من جهة أخرى، في تهيئة الظروف في اليمن لتجدد القتال الحالي.
القوى الكبرى والتعزيزات الحالية
أنشأت السعودية التحالف البحري إلى جانب تحالفها العسكري الثلاثي مع تركيا وباكستان خلال الأسابيع الأخيرة؛ ويحمل كلاهما أهمية بالنسبة إلى الاعتبارات الأمنية الإقليمية الأوسع، إذ يسلطان الضوء على تحولات مهمة في الطريقة التي ينظر بها المسؤولون الإقليميون إلى الهيكل الأمني الأمريكي القائم منذ فترة طويلة في الشرق الأوسط؛ وقد قام ذلك الهيكل منذ زمن طويل على مقايضة الضمانات الأمنية الأمريكية باتفاقيات تفضيلية بشأن منتجات الطاقة وسوق عالمية للطاقة تتسم بالاستقرار بشكل عام؛ ويدفع الصراع الإقليمي بهذا التحول، مؤكدا بصورة أكبر لقادة الشرق الأوسط أن الدول الإقليمية وحدها هي القادرة على ضمان أمنها؛ وكانت هذه الفكرة صحيحة دائما، لكن التردد في زعزعة الوضع القائم في منطقة عُرفت تاريخيا بعدم الاستقرار حال دون ذلك.
ومن المؤكد أن مبيعات الأسلحة الأمريكية وغيرها من الضمانات التي هدفت إلى إبقاء دول المنطقة راسخة داخل دائرة النفوذ الأمريكي، لعبت دورا كبيرا في إضعاف أي جهد محلي من هذا النوع؛ وكان التنافس بين القوى الكبرى هو المحرك لهذا النهج، إذ رفضت واشنطن التنازل عن مساحة لمنافسيها في بكين وموسكو ومع ذلك، ومن المفارقات، أن الإطار الأمني الأمريكي هو الذي عزز التحولات الحالية؛ فقد عانى الشرق الأوسط منذ فترة طويلة من الإفراط الأمريكي في التدخل، حتى في الوقت الذي استخدمت فيه دول غرب آسيا المخاطر الأخلاقية الناجمة عن الضمانات الأمنية لواشنطن لاتباع سياسات خطرة ضد جيرانها على مدى عقود؛ والآن تجد هذه الدول نفسها عالقة في وسط حرب إقليمية اختيارية من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل، لم تطلبها ولا تريدها، ولا تلوح لها نهاية واضحة في الأفق، بينما تتساقط الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية على بنيتها التحتية المدنية الحيوية؛ والمفارقة تتحدث عن نفسها.
التحالف البحري السعودي الجديد
يجب أن تُدار مستقبلية الأمن في الشرق الأوسط من قِبل القوى الإقليمية، لا من قِبل التدخلات الخارجية؛ فقد أطلقت السعودية رسميًا تحالفها البحري في البحر الأحمر، الذي يضم 15 دولة، في 13 أغسطس، مُعلنةً بذلك أحدث تحول في الشرق الأوسط نحو أطر أمنية بقيادة إقليمية؛ ورغم أنه من غير المرجح أن يمنع التحالف البحري متعدد الجنسيات حركة الحوثيين “أنصار الله” المتمركزة في اليمن بشكل كامل من تعطيل الملاحة في البحر الأحمر عبر مضيق باب المندب، إلا أنه يُمثل لحظةً فارقةً لمنطقة تشهد تحولات جيوسياسية كبيرة؛ ويكمن الجانب الأهم في هذا التطور في أمر بسيط مفاده أنه يجب أن تتحمل المنطقة، لا الولايات المتحدة، المسؤولية الأساسية عن أمنها.
وقد ظهرت التقارير الأولى عن التحالف البحري في أواخر يوليو؛ أصدرت الرياض بيانًا في 30 يوليو تؤكد فيه جهودها لإبرام الاتفاق؛ وكان الحوثيون قد أعلنوا قبل ذلك بأيام، في 21 يوليو، فرض حصار على الملاحة السعودية في البحر الأحمر، مُعللين ذلك باستمرار الحصار البري والبحري والجوي الذي تفرضه المملكة على الأراضي اليمنية الخاضعة لسيطرتها؛ ويستمر هذا الحصار منذ دخول السعودية الحرب الأهلية اليمنية عام 2015، حيث قادت تحالفًا من الدول ضد الحوثيين في صراعها مع الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا للسيطرة على البلاد.
قبل الهدنة، شن الحوثيون هجمات على دول عربية في منطقة الخليج وغرب آسيا، وقد حسّنوا قدراتهم بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة بدعم من الحرس الثوري الإيراني؛ سمح هذا الدعم للحوثيين باستهداف البنية التحتية للطاقة وأهداف مدنية أخرى في السعودية والإمارات، مما أدى في النهاية إلى شن الحوثيين هجمات على إسرائيل ردًا على حربها في غزة؛ وشملت هذه الهجمات الأخيرة استهداف سفن الشحن في البحر الأحمر، بهدف الضغط على إسرائيل اقتصاديًا؛ بانضمامهم إلى ما كان قد تحوّل بالفعل إلى صراع إقليمي في أواخر عام 2023، خطا الحوثيون خطوةً هامةً كفاعل دولي قادر وراغب في خوض صراعات خارج اليمن.
التحالف البحري والتحالف العسكري
ألحقت العمليات العسكرية الأمريكية اللاحقة، التي استهدفت إضعاف الجماعة، بما فيها عملية “الفارس الضارب” بين مارس ومايو 2026، ضرراً بالجماعة، لكنها لم تُفلح في الحدّ من قدراتها بشكلٍ جدي، بل أسفرت عن مقتل وإصابة مئات المدنيين اليمنيين والمهاجرين من القرن الأفريقي؛ ومع ذلك، بدا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مقتنعاً بأن هذه العملية قد لقّنت الجماعة درساً: لا تتدخلوا في حروب الولايات المتحدة؛ في المقابل، علّمت تلك اللحظة الحوثيين أن بإمكانهم، بل ويجب عليهم، استخدام قدراتهم العسكرية لتعزيز مصالحهم داخل اليمن وخارجه؛ وفي هذا السياق، تأمل الجماعة في تعزيز مكانتها الداخلية من خلال مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين دعماً لإيران وحلفائها، وهي جهود من شأنها أن تُشتّت الانتباه عن التدهور الاقتصادي الذي يُعاني منه المناطق الخاضعة لسيطرتها وعجزها عن الحكم بفعالية؛ وفي المقابل أيضا، ستسعى إيران إلى توسيع دعمها للجماعة، رغم ما يواجهها من قيود نظراً لحربها المصيرية ضد الولايات المتحدة وإسرائيل.
في هذا السياق، أنشأت السعودية التحالف البحري إلى جانب تحالفها العسكري الثلاثي مع تركيا وباكستان في الأسابيع الأخيرة؛ ويكتسب كلا التحالفين أهمية بالغة في سياق الاعتبارات الأمنية الإقليمية الأوسع، إذ يُسلطان الضوء على تحولات جوهرية في نظرة المسؤولين الإقليميين إلى بنية الأمن الأمريكية الراسخة في الشرق الأوسط؛ وقد استبدلت هذه البنية، منذ زمن بعيد، الضمانات الأمنية الأمريكية باتفاقيات تفضيلية بشأن منتجات الطاقة وسوق طاقة عالمية مستقرة عمومًا؛ ويُحفز الصراع الإقليمي هذا التحول، مؤكدًا لقادة الشرق الأوسط أن دول المنطقة وحدها هي القادرة على ضمان أمنهم؛ لطالما كانت هذه الفكرة صحيحة، إلا أن التردد في زعزعة استقرار منطقة غير مستقرة تاريخيًا حال دون ذلك؛ ولا شك أن مبيعات الأسلحة الأمريكية وغيرها من الضمانات الرامية إلى إبقاء دول المنطقة ضمن النفوذ الأمريكي قد لعبت دورًا هامًا في إضعاف أي جهد محلي من هذا القبيل؛ وقد حفز التنافس بين القوى العظمى هذا النهج، إذ رفضت واشنطن التنازل لمنافسيها في بكين وموسكو؛ كما قلنا سابقا، ومع ذلك، ومن المفارقات، أن الإطار الأمني الأمريكي هو الذي ساهم في التحولات الحالية؛ لطالما عانى الشرق الأوسط من التجاوزات الأمريكية، حتى مع استخدام دول غرب آسيا لها.
وإلى لقاء أخر باذن الله.
الكاتب الصحفي والباحث في العلاقات السياسية الدولية










