فى زمن أصبحت فيه صور المشاهير والفنانين ولاعبى كرة القدم تملأ الشاشات والميادين وتحولت الشهرة فى أحيان كثيرة الى معيار للنجاح تبرز تجربة صينية لافته تطرح سؤلا مهما من يستحق أن يكون قدوه للأجيال ؟
بدأت بعض المدن الصينية فى إظهار صور العلماء والباحثين والشخصيات العلمية البارزة على الشاشات واللوحات الإعلامية فى الأماكن العامة فى رسالة واضحة تؤكد قيمة العلم والبحث والابتكار وتعرف المواطنين وخاصة الشباب بالذين اسهموا فى بناء نهضة بلادهم .
الفكرة فى حد ذاتها تستحق التأمل , لان الصين لم تصل الى ماوصلت اليه بالصدفة وإنما وضعت العلم والبحث العلمى والتكنولوجيا فى مقدمة أولوياتها وأدركت أن الاستثمار الحقيقى ليس فقط فى الحجر والمشروعات وإنما فى الانسان والعقل والمعرفة .
القدوة تصنع المستقبل , عندما يرى الطفل لاعب مشهور أو فنان ناجح فمن الطبيعى أن يحلم بأن يصبح مثله وهذا ليس عيبا فالفن والرياضة جزء مهم من حياة المجتمعات . لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح هذه النماذج هى الوحيدة التى تحظى بالاهتمام والتقدير بينما يغيب العالم والطبيب والمهندس والباحث والمعلم عن المشهد العام .
ان المجتمع الذى يريد بناء مستقبل حقيقى عليه أن يقدم لأبنائه نماذج متنوعه للنجاح . وأن يقول لهم بوضوح يمكنك أن تصبح عالما أو طبيبا أو مهندسا أو باحثا وأن يكون انجازك العلمى مصدر فخر لوطنك , وهنا تكمن أهمية التجربة الصينية فهى لا تتعلق بمجرد استبدال صورة بصورة وإنما بإعادة الاعتبار الى قيمة العلم فى الوعى العام .
وماذا عن مصر؟ مصر تمتلك ثروة هائلة من العلماء والمفكرين والباحثين الذين قدموا انجازات كبيرة داخل مصر وخارجها وفى مختلف المجالات , فلماذا لا تخصص مساحات فى الشوارع والميادين ومحطات القطارات ووسائل النقل والشاشات الإلكترونية للتعريف بعلمائنا المصريين ؟
لماذا لا يرى الطالب فى مدرسته صور العلماء المصريين وقصص نجاحهم؟ ولماذا لايعرف أطفالنا كيف ساهم علماء مصر فى الطب والهندسة والزراعة والعلوم والفضاء وغيرها من المجالات ؟
نحن بحاجة الى صناعة قدوة حقيقية للأجيال الجديدة : قدوة لا تقاس بعدد المتابعين على مواقع التواصل الاجتماعى وإنما بحجم ما قدمه الانسان لوطنه والإنسانية
ليس المقصود ان نحارب الفنانين أو الرياضيين أو نقلل من شأنهم فلكل منهم دوره ومكانته لكن المطلوب هو تحقيق التوازن فى المجتمع .
فاذا كانت الشاشات تستطيع أن تجعل من شخص ما نجما امام ملايين الناس فمن حق العالم الذى أفنى عمره فى المختبرات والمعامل ومراكز البحث أن يحصل أيضا على مساحة من هذا الضوء .
الشخص الذى يكشف علاجا ينقذ ألاف الأرواح أو يبتكر تكنولوجيا تخدم وطنه أو يحقق انجازا علميا يرفع اسم بلاده يستحق أن يكون نجما فى عيون المجتمع .
لقد اثبتت تجارب الدول المتقدمة أن بناء الإنسان هو الطريق الحقيقي لبناء الدولة وان الاوطان التى تحترم علمائها وتوفر للبحث العلمى بيئة مناسبة وتربط التعليم بإلانتاج والابتكار هى الاقدر على صناعة المستقبل .
ومن هنا فإن الاهتمام بالعلماء لا يجب ان يكون مجرد تكريم فى احتفال أو إطلاق أسم عالم على شارع وإنما ينبغى أن يتحول الى ثقافة مجتمعية وسياسة وطنية مستمرة . ان صورة عالم مصرى على لوحة فى أحد ميادين مصر قد تبدو للبعض أمر بسيطا لكنها يمكن أن تكون رسالة عظيمة لطفل يمر من أمامها كل يوم .
العلم طريق النجاح والعالم يمكن أن يكون بطلا وخدمة الوطن أعظم وجوه الشهرة . فهل نمتلك الشجاعة لتغيير مفهوم القدوة فى مجتمعنا ونمنح العلماء والمعلمين والباحثين المكانة التى يستحقونها؟ الأمم لا تنهض بكثرة المشاهير وإنما تنهض بكثرة العلماء .
المحامى – مدير أحد البنوك الوطنية بالمحلة الكبرى سابقا










