عندما كنت أدرس في المعاهد العسكرية العليا في مصر، سواء كلية القادة والأركان أو كلية الحرب العليا، كانت مصر تتبنى الفكر والعقيدة العسكرية الشرقية “الاتحاد السوفيتي”، بينما تعلمت في كلية كامبرلي الملكية في إنجلترا، وفي كلية الحرب العليا في أمريكا، الفكر العسكري الغربي “دوذل حلف الناتو”.
وكل هذه المعاهد العسكرية تؤكد أنه يجب على كل دولة أن تضع في البداية وتحدد استراتيجيتها العسكرية والسياسية.
وعلى سبيل المثال، فإن إسرائيل تضع استراتيجيتها على أنها استراتيجية هجومية وليست دفاعية، لأن حجم وعمق الدولة الإسرائيلية لا يسمحان لها بأن تتبنى استراتيجية دفاعية، حيث يسهل اختراقها والقضاء عليها. لذلك، مع بدء أي توتر، يكون الهدف في إسرائيل هو الهجوم نحو الطرف الآخر في إطار فكرة نقل المعركة إلى أرض الخصم، وهي الاستراتيجية العسكرية الإسرائيلية.
وبنظرة سريعة إلى ما فعلته إسرائيل في حرب 1967، نجد أنها نقلت المعركة إلى أراضي ثلاث دول عربية في وقت واحد؛ إلى سوريا، حيث هاجمت واحتلت هضبة الجولان، وإلى الأردن، حيث هاجمت واحتلت الضفة الغربية، وفي اتجاه مصر هاجمت واحتلت شبه جزيرة سيناء، ولم تهتم بمن يبدأ الهجوم أولًا. كذلك كانت بداية حرب 1956 في إطار العدوان الثلاثي.
أما في مصر فالأمر مختلف تمامًا.
لذلك، عندما بدأت مصر في التفكير في استراتيجيتها للفترة القادمة، كانت أمامها عدة ثوابت. أولها أنها مرتبطة باتفاقية السلام في كامب ديفيد مع إسرائيل. وثانيها أن مصر مرت بظروف اقتصادية صعبة، وعانت كثيرًا من حرب الاستنزاف حتى حرب أكتوبر، وهي الفترة التي توقفت خلالها معظم عمليات التنمية وبناء المصانع والمدارس والمستشفيات والبنية الأساسية.
لذلك كان المطلوب في الفترة القادمة سرعة استعادة كفاءة البنية الأساسية، وبناء مدن جديدة لتوفير مساكن لأبناء مصر من الشباب، وتوفير فرص العمل، ثم خلق استثمارات جديدة، سواء مصرية أو أجنبية.
وفي حالة الاستثمارات الأجنبية فإن “رأس المال كما يطلق عليه جبان”، ولن يُقدم على الاستثمار في بلد وهي في حالة حرب أو عدم استقرار، خاصة أن مصر تعتمد اليوم على السياحة التي تدر عائدًا كبيرًا، وفي حالة وجود عدم استقرار في مصر سوف تتأثر السياحة.
لذلك ظهرت المبادئ الأساسية المصرية في الفترة القادمة، وأولها أن استراتيجية وسياسة مصر هي سياسة دفاعية، وأن القوات المسلحة المصرية مسؤولة عن تأمين حدود مصر بريًا وبحريًا وجويًا، مع التركيز على تأمين المناطق الاستثمارية، ويقصد بها قناة السويس وآبار الغاز في البحر المتوسط.
ومن هنا جاءت فكرة أن السلام خيار استراتيجي، بمعنى أن مصر ليس لها عداء مع أحد طالما أنه لا يهدد الأمن القومي المصري، وأن هدف مصر في الفترة القادمة أن تعيش في سلام يمكنها من خلاله تطوير قواتها المسلحة، لكي تحقق لها الردع ضد أي عدو يهددها.
ومفهوم الردع هنا نوعان: الأول هو الردع الإيجابي، والثاني هو الردع المعنوي.
ومفهوم الردع الإيجابي مثال لما حدث في ليبيا، عندما قامت العناصر المتطرفة هناك بذبح 20 مصريًا على مرأى من وسائل الإعلام، ولم يمضِ يوم إلا وكان المجلس الأعلى للقوات المسلحة قد اتخذ قراره بتصفية هذه العناصر، حيث قامت القوات الجوية المصرية بتوجيه ضربة جوية ضد رؤوس هذه التنظيمات المتطرفة، ثم قامت قوات الصاعقة، في فجر اليوم التالي، بمهاجمة معسكرات لهذه العناصر، وتم تدميرها وأسر بعض عناصرها للاستفادة من المعلومات حول مصادر التمويل والتدريب، إلى آخره.
أما فكرة الردع المعنوي، فهي أن كل من تسول له نفسه التعرض للأمن القومي المصري يرى أن مصر لديها أكبر قوة عسكرية عربية وأفريقية، وثاني قوة عسكرية إقليمية. وهذا الحجم من التسليح والقدرة القتالية سوف يمنع أي عناصر من مجرد التفكير في تهديد الأمن القومي المصري، لأنه يعرف أن لديها جيشًا قويًا قادرًا على مواجهة كل من يؤثر على أمن وسلامة مصر.
ومن هذا المنطلق تعمل مصر.
ولذلك كان قرار الرئيس السيسي، فور توليه المسؤولية، التفكير في تطوير القوات المسلحة المصرية، لتصبح قادرة على الرد على أي تهديد للأمن القومي المصري.
كانت بدايتها تنويع مصادر السلاح بدلًا من الاعتماد على السلاح من الولايات المتحدة، لذلك بدأت مصر في تنويع أسلحتها من فرنسا وإيطاليا، وألمانيا وروسيا وكوريا. كما تم الاهتمام بالصناعات الحربية المصرية، التي لم تلقَ اهتمامًا كافيًا منذ بداية هذه الصناعات في الخمسينيات، منذ عهد الرئيس جمال عبد الناصر، حتى إن مصر بدأت تقيم معارض السلاح “EDEX” لعرض منتجاتها الدفاعية المصرية وتسويقها، والتعرف على أحدث ما تقدمه الشركات والترسانات الجديدة في مجال الصناعات العسكرية.
كما أصبحت القوات المسلحة المصرية من أكثر القوات العسكرية في العالم تنفيذًا للتدريبات المشتركة مع القوات المسلحة من الدول الأخرى. ويجب أن أقول إن معظم هذه التدريبات تأتي بطلب من الدول الأخرى، لأنها تعلم أنها، من خلال التدريب مع الجيش المصري، سوف تحقق استفادة كبير.
وهكذا، فإن مصر دولة تبحث عن السلام ولا تريد الحرب، لكنها في الوقت نفسه مستعدة للرد على كل ما يهدد الأمن القومي المصري، ولذلك أصبحت الإستراتيجية المصرية هي “السلام خيار استراتيجي”.
Email: sfarag.media@outlook.com










