تعد “منطقة القوقاز” أحد أكثر الأقاليم الجغرافية حيوية حيث تمتد كجسر بري استراتيجي يربط بين أوروبا وآسيا وتتحصن بين مياه البحر الأسود غربا وبحر قزوين شرقا. لم تكن منطقة القوقاز حاجز تضاريسي صامت, بل شكلت عبر العصور ملتقى حضاريا تلاقت فوقه مطامع الإمبراطوريات الكبرى من الرومانية والفارسية إلى العثمانية والروسية. إن القوقاز يمثل فسيفساء حضارية وثقافية تتداخل فيه اللغات والثقافات. ينقسم القوقاز إلى “القوقاز الشمالي” ويقع ضمن الاتحاد الروسي و”القوقاز الجنوبي” ويشمل جورجيا وأرمينيا وأذربيجان ويعد الممر الرئيس لربط آسيا الوسطى والعمق الأوروبي. شكل القوقاز تاريخيا شريانا دائما لشبكة “طرق الحرير” حيث كانت قوافله التجارية تنقل الحرير والتوابل والمعادن من الشرق الأقصى نحو القسطنطينية وروما. منحت تلك التجارة موانيء الإقليم “تبليسي” و”باكو” و”دربند” وزنا إقتصاديا هاما وجعلها مراكز حضارية متطورة.
تقدم لنا الكاتبة “هايدي فاروق” كتابا مميزا من أدب الرحلات في القوقاز تحديدا في جورجيا وأرمينيا, لكنها اختارت مزج الرحلة السياحية بموائد القوقاز لتكون سجل حي وإنساني للموروثات فهي ” تحكي الحكايات على ألسنة اللهب, تتماهى مع الموروثات والعادات والتقاليد, لتحمل بين مقاديرها جزءا من تراب الأرض وخيراتها. ( أطعمني كي أراك) … كي أعرف ما تحب, ما تستخدمه في وصفاتك, ما تتبارك به, وما تتشاءم منه” (ص 11 ). لذلك اختارت الكاتبة أن تأخذ القاريء في رحلة من نوع خاص تحمل نكهات الطعام والتنوع الثقافي الذي يتم تناقله عبر الأجيال فتغزو وصفات الطعام البلدان. واختارت أن تصحبنا في رحلتها تلك إلى بلدين من بلاد القوقاز وهما (جورجيا وأرمينيا) وفي اقتباس معبر يقول الروائي الأمريكي جيمس ميشنر ” إذا رفضت الطعام وتجاهلت العادات وخفت من الدين وتجنبت الناس فالأفضل أن تبقى في بيتك.” (ص 13 )
تبدأ الرحلة بقرار السفر إلى جورجيا لنعرف أن المدينة الساخنة.. منعشة وجميلة. كانت البداية بقضاء يوم في العاصمة “تبليسي” ثم السفر لخمسة أيام لباتومي والعودة لقضاء باقي الأسابيع الثلاث في العاصمة. وأول ما تمت رؤيته قباب الآيس كريم بحي “أبانوتوباني” وكانت تلك القباب “حمامات الكبريت الشهيرة… هذه الحمامات التي تعود إلى القرن الخامس الميلادي, كانت ذات يوم مركزا ثقافيا واجتماعيا حيث يجتمع الناس للاستحمام , تبادل الأخبار, وعقد الصفقات” (ص 20 )
اتجهت الكاتبة لبيت ضيافة يقدم ورشة طهي لرواده ولكن البيت يوجد في نهاية شارع مرعب في طريق مرتفع تدريجيا وحين يلوح البيت لا يمنح الرواد الأمان لأنه يخلو من المارة ليلا وتحدثنا عن أول وجبة وهي “الخاتشابوري” وهي فطيرة بحشوة الجبن وكلمة الخاتشا هي الجبنة وبوري هو الخبز. تناولت الإفطار في المطبخ وأجمل ما رأت في المطبخ “دمى ماتريوشكا” وهي دمى روسية شهيرة, كانت في بيوتنا زمان. لا أعرف كيف كانت تصل إلى منازل الجدات في مصر… هي دمية كبيرة تُفتح لتجد داخلها دمية أصغر ثم الأصغر منها, وهكذا.” ( ص 28 ) ولكن الكاتبة لم تقف عند هذا الحد بل تذكرت قصة قصيرة للكاتب الأسباني “خوسيه مياس” بعنوان “الأشياء تنادينا” يقول : ” كانت دمية أمي الروسية فوق تسريحة غرفتها, وأحيانا عندما كنت أختبيء تحت السرير, كنت أراها تفتح وتغلق هذه اللعبة السوفيتية, كانت أمي تمنحني شعور بأنها تبحث داخل الدمية عن شيء لم تعثر عليه داخل نفسها.” (ص 29 )
عند الظهيرة حضرت الكاتبة ورشة تُعلم الحضور طريقة عمل خبز (الخاتشابوري) ويعد هذا الخبز من الأشياء البارزة في التراث الغذائي الوطني وكذلك “جبن السلوجوني” الذي يُنتج في سهول كولخيس وكان يُصدر منذ نهاية القرن التاسع عشر من إيطاليا إلى أوروبا. وتم إعطاء المشاركين قطع من “التشورتشخيلا” الملونة والتي تشبه في طعمها “ملبن حبل”. تصف الكاتبة الرحلة إلى “باتومي” تلك المدينة الساحلية وتصف الإفطار الذي يحتوي “الجريتشكا” وهي حبوب القمح المطهية كالأرز وزبادي “ماتسوني” والجبن الذي يعد جزء من الهوية والثقافة فلديهم أكثر من 60 نوع من الأجبان الفريدة مثل تشوجي وإيميرتي ويستخدم في الخاتشابوري. وتشير الكاتبة إلى أن ” الجبن جزء أساسي من المائدة اليومية الجورجية ويتجلى ذلك في القول الجورجي المأثور: “خبز وجبن, وقلب طيب” … فليس المهم أن تكون المائدة عامرة.. بل أن تكون النية صافية والقلب رحيم.” (ص 35 ) وعندما يكون الجبن في الثلاجة فمعه يكون البيت في أمان.
تنوعت الأطعمة من “بادريجاني نيجفزيت” إلى المشاوي واللوبيو (الفاصوليا الحمراء) وعجينة اللوبياني ويستخدم الطهاة الجورجيون الجوز ويخلطونه مع مكونات أخرى مثل الزبادي أو الجبن وكذلك الرمان أساسي في الوصفات. وبسبب حرارة الطقس في باتومي تقوم النساء العجائز ببيع مشروب “الكفاس” البارد على الشواطيء والذي يصنع من حبوب الجاودار. تأخذنا الكاتبة في رحلتها فنمشي معها ونستمتع بحكاياتها من خيوط الحياة لفن المراوغة عند الطهاة لكوب مثلج من “الكفاس” لطبق “متسفادي” وهو من أشهر أطباق الشواء في جورجيا ويطلق عليه وجبة الملوك وتستخدم غصون عنب جافة كحطب للشواء لتعزيز الطعم ويساهم الأتشوسونلي في جعل الوصفات مميزة لأنه نوع من الحلبة الزرقاء الجافة التي تتميز بنكهتها الغنية وتنتقل من “لوبيوكركازي” إلى “الخنيكالي” وهو يشبه الزلابية الصينية المحشوة باللحم المفروم إلى حساء “التشاكابولي وهو من لحم الضأن ويطهى مع البرقوق والمقصود صلصة “كخمالي” وهي صلصة برقوق حامض. وفي أرمينيا خبز اللافاش يختلف عن البوري بفروق طفيفة وبعد خمس أيام عادت الكاتبة للعاصمة “تبليسي” التي مر على إنشائها 1500 عام والتي تشتهر بالينابيع الساخنة الطبيعية. تتعدد الوصفات فتخبرنا الكاتبة بتناول “الباخلي” وهي كرات السيانخ مزينة بحب الرمان وكرات حمراء من البنجر ومزينة بالجوز واسمها باخلي البنجر وحساء “خارشو” يحضر من لحم البقر مع الجوز المطحون ومن خلال رحلات “تبليسي” تجد الكاتبة نفسها تجلس على مائدة غنية وتسمى رحلات وليمة السوبرا :” تبدأ التجربة بخدمة نقل تصلك .. ثم تنطلق مباشرة إلى منزل عائلة جورجية من.. الخبراء في الطهي. هناك تبدأ دروس في إعداد الخينكالي والخبز الجورجي.. ثم التمادا” (ص 73 ) والتمادا هو شخص مسؤول عن إدارة المائدة.
يعد الملح المتبل “سفانيتي” من الأشياء المدهشة على مائدة الطعام. وتخبرنا الكاتبة عن تناولها “الشكمرولي” وهو دجاح مقلي مطهي في مرق من الثوم والحليب والقشدة ويعد طبق “ساتسيفي” الطبق الوطني الجورجي ويحضر من الدجاج أو الديك الرومي مع الجوز والتوابل وكريمة اللين. أما مهرجانات الطعام الجورجية فهي عديدة ومنها مهرجان الجبن ويعقد كل صيف للحفاظ على تراث الأجبان التقليدية ويتم ذلك في منتزه مبهج وكذلك مهرجان “أجيكا” وهي خلطة توابل حارة وخلال المهرجان تقام دروس طهي للإطلاع على تاريخ الطهي في جورجيا ويحوي المهرجان المأكولات المحلية الشهيرة ويقام مهرجان “تبلوسيا” سنويا لمدة يومين ويختتم بحفل موسيقى في الهواء الطلق وتباع فيه كافة المأكولات. ويقول الشاعر الروسي بوشكين: ” كل طبق جورجي هو قصيدة” وذلك لأن الجورجين يظهرون شغفا كبيرا في تحضير الطعام وتناوله. وللجورجيين مقولة تُعد جزء من هويتهم وتراثهم :” الإنفاق على الولائم.. خير من اكتناز المال… ما نعطيه يزيدنا ثراء. وما نكدسه يفقدنا.” (ص 86 )
تستشهد الكاتبة بافتنباس من كتاب الكاتبة الأمريكية جولدستين :” كل من هذه الأطباق هو جزء مهم من الهوية الثقافية الجورجية يحمل تاريخا غنيا وتجربة فريدة. فالمطبخ الجورجي هو احتفال لحاسة التذوق.” (ص88 ) وفي نهاية الجزء الخاص بجورجيا نجد اقتباس للروائي الفرنسي جوستاف فلوبير: ” السفر يجعلك متواضعا إذ ترى كم هو ضئيل المكان الذي تشغله في هذا العالم.” (ص 103 )
وفي الجزء الثاني بدأت الرحلة إلى أرمينيا بالدهشة من قبل الكاتبة لرؤية جبل “آرارات” وهو رمز للدولة الأرمنية ويعتبر رمزا للتاريخ وللهوية ويعده الأرمن رمزا للأرض المفقودة وتربط القصص الشعبية بين الجبل وبين الأرض التي رست عليها سفينة نوح بعد الطوفان. شد انتباه الكاتبة النصب التذكاري للأم الأرمنية الذي يجسد القوة والاستقلال “فالتمثال من النحاس وفي يدها سيفا مسلولا, كأنها تقول:” قدري الحروب بين إبادة وصراعات حدودية… لكنني باقية” (ص 113 ) تعد العاصمة “يريفان” المدينة الوردية حيث تتلون مبانيها باللون الوردي خاصة في وسط المدينة وذلك لاستخدام حجر التوف الأرميني الذي تتراوح ألوانه بين الوردي والأحمر والبرتقالي والأرجواني.
وعند الحديث عن المائدة الأرمنية كان أول طعام أرميني هو “الجاتا” وكانت تقدمه سيدة أرمينية أطلقت عليها الكاتبة “سيدة الجاتا” وهي مخبوزات صغيرة محلاة بالسكر. تشتهر أرمينيا بالمهرجانات التي تُعد الأطعمة فيها محورا هاما, ففي قرية “خاتشيك” التي تقع على ارتفاع ( 1800) متر فوق مستوى سطح البحر يجتمع سكانها كل خريف للاحتفال بمهرجان “الجاتا” يخبزونها على شكل فطيرة هائلة الحجم ويتفننون في حشوها وخلال المهرجان تُتاح للزوار فرصة التذوق والتسوق وسماع الموسيقى. وفي يوم “منتصف الصوم الكبير” تقوم النساء بخبز جاتا ويضعن بداخلها قطعة نقود ويعتقد أن من يجد القطعة سيكون محظوظا طول العام. ترتبط الجاتا بالضيافة ودفء البيت وتعتبر رمزا للحظ والرخاء وتعد الجاتا من أكثر الحلويات الأرمنية الشعبية ومن أشهر مهرجانات أرمينيا مهرجان “فاردافار” وهو عيد رش الماء في شهر يوليو من كل عام ويرتبط رش الماء بالخصوبة والحب وتخفيف حرارة الصيف وترش الحقول والساحات كطقس رمزي وتعبير عن الفرح ويعد “فاردافار” مناسبة لجمع شمل العائلات ليحتفلوا معا وتتزين الموائد في المنازل بالفاكهة والمربات وأصناف العسل. وطعام “خوروفانس” تعني اللحم المشوي وله مكانة خاصة في المطبخ الأرمني ويعد رمز للكرم وهناك مهرجان سنوي للخروفانس في شمال أرمينيا. وللهريسة مهرجان سنوي يقام في قرية موشى في سبتمبر للحفاظ على التراث والتقاليد الأرمنية والهريسة طبق من القمح المجروش واللحم يتم طهي الهريسة ببطء في قدر ضخم في الهواء الطلق ويشارك في هذا المهرجان طهاة مشهورون.
أثناء التجول في مدينة يريفان تُصادف صنابير تنبع منها مياه طبيعية مثلجة وعذبة تحيط بك من كل جانب. تعتبر أرمينا غنية بالأنهار ومن أشهر الرحلات هي الرحلة التي تقل الزوار لضفاف بحيرة “سيفان” وهي من أكبر بحيرات القوقاز. تأخذنا الكاتبة مرة أخرى للمطبخ الأرمني, فالأرمن يسلقون الأسماك ويضعون تحتها شرائح البطاطس والطماطم والفلفل الحلو. يعتبر المخلل في أرمينيا عنصرا أساسيا على المائدة وكذلك الزبادي دائم على المائدة. ومن عادات المطبخ الأرمني مزج السكر بالملح كي يكتسب الطعام مذاقا غير مألوف.
الموائد الأرمينية ليست مجرد طعام بل هي طقس يجسد الكرم واحترام التقاليد والحب للعائلة. ففي الأعراس الأرمينية تزين الموائد باللحوم والسلطات والخبز والحلويات والمشروبات. يُعد الخبز في الأفران الطينية (التونير) والطهي على نار هادئة والقلي والسلق ويستخدم فرن التونير لتحضير العديد من الأطباق القومية مثل خبز لافاش والكباب ومن الأطباق الحاضرة في كل مناسبة احتفالية حساء مكون من كرات اللحم والبطاطس والأعشاب وتطهى في مرق غني بالنكهات. وكذلك حساء بيتي من لحم الضأن والحمص والبطاطس والتوابل.
من عادات الأرمن ” تقليد يرتبط بظهور أول سِنة للرضيع… إذ يقام احتفال منزلي بسيط.. يجلس الطفل على طاولة بمساعدة والدته, ويغطى رأسه بمفرش صغير ثم يسكب فوقه الذرة المسلوقة, إذ تشبه .. الأسنان” ( ص 140) وفي الأعراس تخرج أم العريس لاستقبال العروسين ” على الباب حاملة رغيفا من اللافاش تضعه على كتفيهما وتقدم لهما كأسا من العسل تطعمهما إياه بنفسها تيمنا بأن تكون حياتهما مليئة بالحلاوة والبهجة” (ص 144 )
للخبز مكانة في المائدة الأرمنية. يعد خبز “الجرينكي” طبقا لذيذا ينقع الخبز في الحليب والبيض ويقلى في الزيت والزبد. من العادات الأرمينية يستقبل الضيف بالخبز والملح, فالخبز رمز القداسة والملح رمز الطهارة وفي موسم الحصاد كانت الحبوب ترش على الأطفال والعرسان الجدد.. اعتقادا بأنها تجلب البركة والثمر.” (ص 189 ) ومن أقوال الأرمن الشهيرة :” لتكن قدماك نظيفتين, ولتمتليء مخازنك بالخبز” (ص 190 )
يعد الرمان الثمرة المقدسة في أرمينيا. ففي الشوارع توجد أكواب الرمان المثلجة المصنوعة يدويا في كل مكان وستجد الرمان مرسوما على أشياء كثيرة وكذلك لوحات مرسومة بريش رسامين أرمن وفي ” التقاليد الأرمينية يرمز الرمان إلى الحياة والازدهار والخصوبة والزواج” ( ص 194) ومن أشهر السلطات سلطة الرمان الأرمنية. كذلك الحساء شهير في أرمنيا ولا يشترط أن يكون ساخنا فهناك حساءات باردة ومنها “أكروشكا” وحساء البنجر والتان. أما “الفاباما الأرمينية التقليدية هي ثمرة قرع عسل محشوة بالأرز ومجموعة من الفواكه المجففة والمكسرات والعسل. ومنذ العصور القديمة, كان هذا الطبق حاضرا دائما على موائد الأعياد الأرمينية ويعتبر من رموز موائد الزفاف” (ص 207 ) وتعد “الفاباما” إرث ثقافي مذهل فضلا عن وجود أغنية للفاباما يُتغنى بها في فصل الخريف احتفالا بموسم الحصاد. تضيف الكاتبة أن ” المطبخ الأرميني.. انعكاس لتاريخ وثقافة شعب عريق تمتد لقرون. كل طبق يحمل بين مكوناته جزءا من روح أرمينيا وتقاليدها” (ص 209 )
لقد صحبتنا الكاتبة لجورجيا وأرمينيا وجعلتنا نرى معها كل ما رأت وكنا نسمع الحكايات ونشم رائحة التوابل والأطعمة المختلفة وجعلتنا نشعر بما تشعر به في كل مدينة أو قرية أو شاطيء تذهب إليه. عرفتنا بلغةٍ صحفية رشيقة وعناوين جذابة على بلدين كنا بالكاد نعرف اسميهما من نشرات الأخبار. لم نشعر بالملل بل كنا نمشي معها في كل الأماكن التي ارتادتها في الشوارع والمطاعم والفنادق وجعلتنا نرى ثقافتين مختلفتين فأصبحنا نعرف عنهما الكثير بسبب سلاسة الحكي ومتعة السفر كما وصفتها لنا.










