تسعى الحكومة لتيسير تنفيذ معاملات الشركات، وتتصدى لهذه المسألة عبر مسارين متوازيين. فمن جهة، تعكف وزارة الاستثمار على إعادة صياغة اللائحة التنفيذية لقانون الشركات رقم 159 لسنة 1981 — وهي القواعد التي يطبقها المسؤولون فعليا — بهدف إزالة العقبات التي تعرقل عمليات زيادة رؤوس الأموال، والتقييمات، والدمج والاستحواذ، والتمويل بأسهم قابلة للتحويل. وفي الوقت ذاته، وافقت لجنة بمجلس الشيوخ على مشروع قانون بتعديل بعض أحكام قانون الشركات، في خطوة تمثل أكبر تعديل تشريعي للقانون منذ عام 1981.
غير أن محامين ومسؤولين تنظيميين سابقين منخرطين في هذه الصفقات أكدوا لنشرة “إنتربرايز” الاقتصادية أن هناك فجوة لا تزال قائمة؛ فحتى مع تضافر هذين المسارين، لا يعالج كلاهما الأسباب الحقيقية التي تدفع الشركات المصرية لتأسيس كياناتها بالخارج. إذ يمكن للوائح الجديدة تذليل العقبات أمام مرور المعاملات عبر النظام الإداري، كما يطور مشروع القانون بعض الآليات. ومع ذلك، لا يقدم أي منهما فئات الأسهم أو الأدوات القابلة للتحويل التي ترتكز عليها صفقات رأس المال المغامر والاستثمار المباشر. وتتطلب معالجة هذه النقطة حلولا أعمق مما هو مطروح حاليا.
مساران متقاطعان:
يقول وزير الاستثمار محمد فريد إن التعديلات الشاملة على اللائحة التنفيذية ستشمل زيادات رؤوس الأموال، والجمعيات العمومية، والتقييمات، والتمويل، إلى جانب عمليات الدمج والاستحواذ والأسهم القابلة للتحويل. ويضع مشروع القانون المقدم من مجلس الشيوخ، الذي تقدمت به النائبة ووزيرة الاستثمار السابقة سحر نصر، الإطار العام لهذه التعديلات. كما يحيل الكثير من التفاصيل — بدءا من برنامج أسهم الخزينة وصولا إلى تدشين سجل جديد للمقيّمين ونماذج الإفصاح — إلى اللائحة التنفيذية. وتتزامن هذه التحركات مع خطة أكثر طموحا تعمل عليها الهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة منذ أوائل عام 2025 لصياغة قانون جديد شامل للشركات.
اللوائح تحكم التنفيذ
تكتسب اللائحة التنفيذية أهميتها من كونها المرجع الأساسي للموظف الحكومي عند تطبيق القانون على أرض الواقع. وفي هذا الصدد، يقول إسلام سعيد، الشريك المؤسس لمكتب ألفاليكس للاستشارات القانونية والضريبية، في تصريحات لنشرة إنتربرايز الصباحية: “قد تجد نصا معدلا في القانون يضاهي ما هو مطبق في دول أخرى، لكن اللائحة التنفيذية تظل قديمة في بعض الأحيان. والموظف الحكومي يحتكم بطبيعة الحال إلى التشريع الأقرب إليه، وهو اللوائح التنفيذية وليس القانون”.
هذا التباين ليس افتراضيا:
فقد ضرب فريد مثالا على ذلك بتخفيض القانون الحد الأدنى للقيمة الاسمية للسهم إلى 10 قروش، في حين أبقت اللائحة على الحد الأدنى القديم البالغ 5 جنيهات. ونتيجة لذلك، تُؤسَّس شركة ما بناء على قيمة معينة، ثم تضطر لعقد جمعية عمومية غير عادية لتجزئة أسهمها لتتوافق مع القيمة الأخرى. وأشار الوزير إلى أن مثل هذه الفجوات قد تستمر لعقود، مما يؤدي إلى تنقل الملفات دون داع بين هيئة الاستثمار والهيئة العامة للرقابة المالية، في الوقت الذي تجاوز فيه التشريع هذه المرحلة.
وعادة ما تستمر الإجراءات الإدارية بمجرد إقرارها. إذ يقول حسام هيبة، الرئيس السابق للهيئة العامة للاستثمار والمناطق الحرة والعضو المنتدب الحالي لشركة أوربيس كابيتال، إن المتطلبات الإدارية تُفرض غالبا لسبب وجيه؛ لتكون حماية لحقوق الأقلية أو الدولة أو نشاط بعينه. لكنها تتحول بمرور الوقت إلى عقبات عند تعميم تطبيقها. ويضيف هيبة: “ما قد يكون مناسبا لشركة معينة أو مشروع معين قد يصبح معوقا عند تطبيقه على مستوى كل المشروعات، ولا يظهر ذلك إلا بعد التطبيق”.
التقييم عقبة أمام الصفقات
تبرز هذه المشكلة بوضوح في عمليات التقييم، التي قد تتطلبها زيادات رؤوس الأموال، وتغيير الشكل القانوني للشركات، وعمليات الدمج والاستحواذ، والتي تُجرى عبر قطاع الأداء الاقتصادي التابع لهيئة الاستثمار. ويرى هيبة أن دور القطاع يجب أن يقتصر على الجانب الإجرائي وليس الفني؛ إذ قال: “لماذا أتدخل كجهة في هذا التقييم ذاته؟ دوري يجب أن ينحصر في مراجعة الإجراءات التي تمت للموافقة على هذا التقييم”. ويرى هيبة أن الغموض دفع المسؤولين لتوخي الحذر المفرط لحماية أنفسهم من خلال طلب المزيد من المستندات، مضيفا: “كانت هناك مناطق رمادية في القانون، ولذلك كانوا يتخذون الحيطة والحذر بدرجة أكبر، مما عطل الإجراءات دون داع”.
وفي هذه النقطة تحديدا، يتوافق مشروع قانون مجلس الشيوخ مع رؤية هيبة؛ إذ ينص على سحب صلاحية تقييم الحصص العينية من لجنة تابعة لهيئة الاستثمار وإسنادها إلى مقيّمين مرخصين من الرقابة المالية، ليقتصر دور اللجنة على التحقق بدلا من التقييم، مع تقليص مدة المراجعة من 60 إلى 30 يوما، وهو ما يقترب من الدور الإجرائي الذي يرى هيبة أنه ينبغي أن يُخول إلى الدولة.
لكن هذا التعديل لا يعالج القيد الذي حذر منه سعيد، المتمثل في الاعتراف بالأصول. قال سعيد: “إذا كانت الأصول التي تقيمها هيئة الاستثمار لأغراض التقييم المؤسسي — كحالات الدمج أو الانقسام أو التحويل إلى أسهم — تتضمن عقارات غير مسجلة بالشهر العقاري، فلن يُعترف بها وفقا للممارسات الحالية”. ونظرا إلى أن جزءا كبيرا من الثروة العقارية في مصر غير مسجل، فإن هذا الأمر يشكل عقبة استراتيجية أمام الشركات التي تمتلك أصولا عقارية ضخمة. وأضاف: “تصبح هذه مشكلة كبيرة للشركات التي تسعى للتحول من كيانات عائلية إلى مؤسساتية، أو تتطلع للطرح في البورصة”.
عمليات الدمج والاستحواذ لا تحتكم لقانون واحد
لا يقتصر حل الأزمة على تعديل اللوائح فحسب، لأن صفقات الدمج والاستحواذ نادرا ما تخضع لتشريع واحد. ويفسر سعيد هذه النقطة قائلا: “نحن أمام مثلث تشريعي يضم قانون الشركات، وقانون سوق رأس المال، وقانون ضريبة الدخل. وتتداخل هذه القوانين الثلاثة في المعاملة الواحدة، خاصة في حالات الدمج أو زيادة رأس المال”. فالتقييم الذي يسبق عملية الدمج أو الاستحواذ قد يحمل أعباء ضريبية خاصة به؛ ورغم إلغاء ضريبة الأرباح الرأسمالية على تعاملات الأوراق المالية المقيدة بالبورصة، قد تُطبق هذه الضريبة على مبيعات الأسهم غير المدرجة وعمليات إعادة الهيكلة للشركات، بما في ذلك الاندماج والانقسام، وفقا لسعيد. وإذا أسفرت إعادة الهيكلة عن تقييم الشركة بأعلى من قيمتها الدفترية، فإن هذا الفارق قد يفرض التزاما ضريبيا على الشركة المستهدفة. ويمكن تأجيل هذا الالتزام إذا استمر إدراج الأصول والخصوم بالقيمة الدفترية للأغراض الضريبية، شريطة الالتزام بشروط معينة، منها حظر التصرف في هيكل ملكية الشركة لفترة ثلاث سنوات بعد إتمام المعاملة.
وتدفع هذه الحسابات ذاتها الشركات إلى تأسيس كياناتها بالخارج. فقد أشارت إنتربرايز في تغطية سابقة حول أسباب تأسيس الشركات الناشئة المصرية بالخارج إلى أن المستثمرين يلجأون للهياكل الأجنبية جزئيا لتجنب ضريبة الأرباح الرأسمالية في مصر، البالغة 22.5% عند التخارج. ويعقب سعيد: “قد يعرقل أحد القوانين إتمام المعاملة، في حين قد يفرض قانون آخر تبعات مالية باهظة توقفها تماما، أو تجبر الأطراف على تنفيذها بشكل غير جاذب للمستثمرين، وكل ذلك يحدث تحت مظلة الحفاظ على حقوق الدولة”.
ويتطلب حل هذه الإشكالية جهدا يتجاوز تعديل لائحة بعينها. قال سعيد: “نحن بحاجة إلى لجنة وزارية تضع رؤية استراتيجية لهذه القوانين الاقتصادية، وتُجري إصلاحا تشريعيا شاملا دفعة واحدة، بحيث يواكب الثقافة العالمية للمعاملات وهيكلة المجموعات”. وقد بدأت بالفعل بعض جهود التنسيق؛ إذ أشار هيبة إلى أن هيئة الاستثمار وهيئة الرقابة المالية بدأتا في توحيد الإجراءات المتعلقة بزيادات رؤوس الأموال، وعمليات الدمج والاستحواذ، والتقييمات خلال فترة توليه المنصب، متوقعا أن تكتسب هذه الجهود أهمية أكبر قريبا. وأضاف: “المرحلة المقبلة ستشهد عمليات دمج واستحواذ، ونحتاج إلى إجراءات وقوانين تسمح بحدوث ذلك بشكل أسرع وأبسط من الوضع الحالي”.
قصور لا تعالجه التعديلات الإجرائية
تبرز عقبة أخرى لا تمسها أي لوائح تنظيمية، وتتعلق بحقوق ملكية المستثمرين. إذ قال سعيد: “لا يوجد لدينا في مصر حاليا نظام مرن لفئات الأسهم يضاهي ما هو متعارف عليه في أسواق رأس المال المغامر أو الاستثمار المباشر؛ فكل ما لدينا هو أسهم عادية وممتازة. وحتى الأسهم الممتازة تخضع لقيود صارمة تقلص من استخدامها بشكل كبير. وهذا من أبرز المعوقات التي تواجه الشركات الناشئة ونماذج الاستثمار المباشر”. وتعد فئات الأسهم — التي تمنح المستثمرين حقوقا مالية وتصويتية متباينة — جزءا أساسيا من هيكل صفقات رأس المال المغامر والاستثمار المباشر، في حين يظل الإطار التشريعي المصري”تقليديا”، حسبما وصفه سعيد مرارا وتكرارا، ولا يواكب الأسواق العالمية في نيويورك أو لندن، بل ويتخلف حتى عن نظرائه الإقليميين.
ولطالما كان لهذه الفجوة سجل حافل وتكلفة باهظة؛ فقد شرعت الجهات التنظيمية في عام 2022 في العمل على تفعيل بنود سيطرة المؤسسين، وحقوق السحب والانضمام، والأسهم الممتازة، والسندات القابلة للتحويل بالسوق المحلية. وبعد مرور عام، أظهرت تغطية إنتربرايز لأسباب تأسيس الشركات الناشئة المصرية لكياناتها في الخارج أن غياب هذه الأدوات كان من بين الأسباب الرئيسية التي تدفع المؤسسين لتفضيل الهياكل القابضة الأجنبية. وتقول وزارة الاستثمار الآن إن حزمة التعديلات المقررة في يونيو ستسهل استخدام السندات القابلة للتحويل واتفاقيات المساهمين، وتغيّر من طريقة تقييم الشركات الناشئة عند زيادة رؤوس أموالها. غير أن سعيد يرى بوضوح أن هناك سقفا لا يمكن تجاوزه. وأضاف: “اللوائح التنفيذية تعمل داخل إطار القانون”. ورغم شمولية مشروع قانون مجلس الشيوخ، فإنه لم يضف أي مواد تتعلق بفئات الأسهم.
التعديل التشريعي الأكبر
هذه العوامل مجتمعة هي ما تجعل إصدار قانون جديد بالكامل هو الحدث المرتقب الأهم. فقد ركزت المسودة التي عمل عليها هيبة خلال فترة توليه رئاسة هيئة الاستثمار على القضايا الهيكلية التي لم تتطرق إليها اللوائح ولا مشروع القانون الحالي، ومنها: توحيد جهات تأسيس الشركات بدلا من تعددها حاليا، والتشجيع على تأسيس شركات الشخص الواحد بدلا من الكيانات التي عفا عليها الزمن، وتحديث قواعد الحوكمة لتتطابق مع معايير الهيئة العامة للرقابة المالية، وتدشين منصة رقمية متكاملة تغطي كافة مراحل عمل الشركة. كما تطرقت المسودة إلى إمكانية تضمين الحقوق المتفق عليها بين المساهمين مباشرة في النظام الأساسي للشركة. ويتساءل هيبة: “لدي مساهمون اتفقوا على بنود معينة فيما بينهم، فما الذي يمنعني من إدراج هذه البنود ضمن عقد تأسيس الشركة؟”. ويحرص هيبة على التأكيد بأنه لا يعلم محتوى المسودة الحالية لوزارة الاستثمار، كما يشير سعيد إلى أنه لم يطلع أحد على التعديلات الكاملة، وأن “الأمر يقتصر على الأخبار المتداولة”.
أهمية الخطوة:
من خلال التعديلات الشاملة للائحة التنفيذية ومشروع القانون الذي تقدمت به النائبة سحر نصر، يمكن للإصلاحات قريبة الأجل أن تعيد تشكيل آليات الشركات لزيادة رؤوس أموالها، وجذب المستثمرين، والاندماج، وإعادة الهيكلة، وذلك قبل إقرار أي قانون جديد، فضلا عن أن تعديل قواعد التقييم وحده يزيل عقبة رئيسية. لكن الإصلاحات التي قد تؤدي إلى الإبقاء على الجيل القادم من الشركات الناشئة وصفقات الاستثمار المباشر بين أحضان السوق المحلية تتطلب حلولا أعمق من كلا المسارين.
ما الذي سننتظره؟
يلخص سعيد المشهد بتشبيه معبر قائلا: “القانون بمثابة “ناقل الحركة” الذي يحرك السوق. وما يحدث حاليا ليس تغيير تروسه، بل تغيير الزيت وإضافة مواد التشحيم ليعمل بشكل أسرع وأكثر سلاسة”. وتظل الأنظار مترقبة لثلاثة أمور رئيسية: أولها ما إذا كان مشروع قانون سحر نصر سيُقره مجلسا الشيوخ والنواب وما سيضاف منه ضمن اللائحة التنفيذية. أما ثانيها، فهو موعد إصدار الوزارة تعديلاتها ونشر المسودة. ويتمثل الأمر الثالث فيما إذا كانت أي من هذه النسخ ستدرج أخيرا فئات الأسهم والأدوات القابلة للتحويل ضمن القانون ذاته.










