لم تعد مشكلة المخدرات فى مصر قضية جنائية عابرة وإنما أصبحت معركة حقيقية للحفاظ على مستقبل الشباب والاسرة والمجتمع فكلما فقدنا شابا بسبب الادمان فقدت مصر طاقة بشرية كان يمكن أن تكون عاملا فى مصنع أو طبيبا أو مهندسا أو معلما أو صاحب مشروع يبنى مستقبله ومستقبل وطنه .ولذلك فإن مواجهة المخدرات يجب ان تتحول الى مشروع قومى متكامل لا يقتصر على الحملات الامنية وحدها .
نحن فى حاجة أولا الى تكثيف الحملات الأمنية لضبط تجار ومروجي المخدرات خاصة الذين يستهدفون الشباب وطلاب المدارس والجامعات مع تشديد الرقابة على اماكن التوزيع ومصادر التمويل وتطبيق القانون بكل حسم على كبار التجار والممولين والمروجين .
وفى الوقت نفسه يجب ان تكون هناك مراجعة تشريعية جادة للعقوبات المقررة على الاتجار بالمخدرات وترويجها بما يحقق الردع ويحاصر هذه التجارة التى تدمر حياة الاف الاسر فالفرق كبير بين شاب وقع ضحية للإدمان ويحتاج الى العلاج وبين شخص جعل من تدمير الشباب تجارة ومصدرا للثراء .. لكن المواجهة الأمنية وحدها لا تكفى : المدمن مريض يحتاج الى العلاج وليس الى أن يترك للموت البطىء ولذلك يجب زيادة الطاقة الاستيعابية لمستشفيات ومراكز علاج الإدمان وتسهيل وصول المرضى اليها مع توفير برامج لإعادة التأهيل النفسي والاجتماعي ومنع الانتكاسة وقد شهدت مصر بالفعل توسعا فى مراكز علاج وتأهيل مرضى الادمان إذ أشارت بيانات رسمية الى وصولها الى 34 مركزا فى 19 محافظة خلال 2025 م.
كما ان الوقاية أهم من العلاج : نحن بحاجة الى حملة توعية قومية مستمرة تشارك فيها وسائل الاعلام المختلفة والمدارس والجامعات والمساجد والكنائس ومؤسسات المجتمع المدنى تخاطب الشباب بلغة يفهمونها وتكشف مخاطر المخدرات الحقيقية وتواجه الأفكار التى تروج لها بإعتبارها وسيلة للمتعة أو القوة أو الهروب من المشكلات .
ويجب ان يكون للأسرة دور أساسى فالاكتشاف المبكر للتغيرات السلوكية والنفسية لدى الابناء والتعامل معها بالحوار والاحتواء فقد ينقذ شابا قبل ان يتحول التعاطي الى إدمان .
يمكن لمصر ان تدرس التجربة الصينية فى مكافحة المخدرات ولكن ليس بهدف نقلها حرفيا فلكل دولة ظروفها وقوانينها , الصين بنت سياساتها على اطار قانونى وأمنى واسع لمكافحة المخدرات ولها تجربة طويلة فى التعامل مع الاتجار والتعاطي والعلاج وإعادة التأهيل .
لكن المهم ايضا أن نستفيد من ملاحظات الأمم المتحدة على بعض نماذج العلاج القسري إذ تؤكد الادبيات الحديثة أهمية الانتقال نحو العلاج القائم على الصحة والمجتمع عندما يكون ذلك أكثر فاعلية واحتراما للحقوق .
مصر لا تحتاج الى حملة مؤقته ضد المخدرات وإنما الى استراتيجية وطنية طويلة المدى .استراتيجية تبدأ من المدرسة والاسرة والاعلام ودور العبادة وتصل الى الشرطة والقضاء والمستشفيات ومراكز التأهيل .
فالمعركة الحقيقية ليست فقط ضد المخدر الذى يدخل الى جسد الشاب وإنما ضد تجارة تستهدف عقله ومستقبله وإرادته . واذا كنا ننفق مليارات على بناء الطرق والمشروعات فعلينا أن ندرك أن بناء الانسان وحماية الشباب لا يقلان أهمية عن بناء الحجر .” انقاذ شاب واحد من الإدمان هو انقاذ أسرة كاملة وإنقاذ الاف الشباب هو حماية لمستقبل مصر “
كاتب وباحث اقتصادي ومحام بالاستئناف العالي ومجلس الدولة
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
