حجاج أول عويشة تكتب .. شمس وظلال

واحسرتاه على جيلٍ يخطو على عجل،
يخوض في عوالم الوهم، ويستغرق في فضاءات مواقع التواصل،حتى غدا الواقع عند بعضه ثقيلًا، والصمتُ مملًّا، والتأملُ أمرًا مؤجّلًا.

تخاطبه فينصرف، وتنصحه فيتثاقل، وتطرق أبواب وعيه، فيقابلك بالتجاهل،
حتى غدا بعض الآباء والأمهات في أعين أبنائهم مصدرَ ثقل،وصارت خبرتهم تُقابل بالاستخفاف، وكأن السنين جهل،وكأن التجربة عجز، وكأن الحكمة لم تعد تليق بجيلٍ يستعجل.

جيلٌ يملك وفرة المعلومة، ولا يملك دائمًا نعمة التبصّر، يحسن التصفح، لكنه لا يحسن التعمّق، يلاحق الجديد بشغف، ولا يمنح القديم حقّه من التأمل. تأسره الصورة، ويستوقفه العنوان، ويستهلكه العابر،
حتى أصبح بعضهم يقيس قيمته بعدد المتابعين، وحضوره بعدد الإعجابات،
ومحبته بما تقدمه له من منفعة أو اهتمام.

حتى المشاعر عند بعضهم صار لها مقابل،
والصداقة مصلحة، والوفاء صفقة، والاهتمام انتظارًا لما سيُبذل. فإذا انتهت المنفعة، انطفأت المودة، وإذا غاب المقابل، خفت السؤال، وتوارى التواصل.

لكن، هناك ومضة نور في هذا الظلام الدامس
فبين هذا الضجيج شبابٌ يرفعون رؤوسهم عاليًا،يحملون من الوعي ما يجعلهم جديرين بالثقة،ويجعلون من التقنية جسرًا إلى العلم، لا بابًا إلى الغفلة.

فمنهم طالبٌ جعل هاتفه مكتبةً،
ومنهم شابٌ سخّر منصاته لنشر المعرفة والكلمة الطيبة،
ومنهم من يبرّ والديه، ويعرف أن اختلاف الأجيال لا يعني سقوط احترامها،
ومنهم من يعمل بصمت، ويبني مستقبله بعيدًا عن صخب الاستعراض.

وهؤلاء هم الاستثناء الجميل الذي يُعيد إلى القلب شيئًا من الطمأنينة؛ شبابٌ لم تبتلعهم الشاشات، ولم تُطفئ فيهم جذوة الطموح،عرفوا أن الحداثة لا تعني التنكر للأصول،وأن الاستقلال لا يعني العقوق، وأن قوة الشخصية لا تكون برفع الصوت على الوالدين،وأن الحرية الحقيقية ليست أن تفعل كل ما تشاء،
بل أن تعرف ما ينبغي أن تفعل، ثم تمتلك شجاعة الالتزام به.

وفي خضم هذه التناقضات المجتمع قادر على تبديد عتمة القلب فليس الجيل ضائعًا، وإنما يحتاج إلى من يمسك بيده دون أن يكسر إرادته، وإلى أسرةٍ تصغي قبل أن تحاكم،ومدرسةٍ تبني الوعي قبل أن تكدّس المعلومات،
ومجتمعٍ يعلّم أبناءه أن الإنسان لا يُقاس بما يملك من مظاهر،بل بما يحمله في داخله من خُلُقٍ ووعيٍ وأثر.

فيا أبناء هذا الجيل،لا تجعلوا أعماركم تمرّ على عجل،ولا تسمحوا لعالمٍ افتراضي أن يسرق منكم حياةً حقيقية،فالزمن الذي يمضي لا يعود،والوالدان اللذان نستهين اليوم بنصحهما قد يصبح صوتهما غدًا أغلى ما نتمنى سماعه.

كونوا جيلًا يواكب العصر دون أن يفقد أصله،ويفتح أبواب المستقبل دون أن يغلق أبواب الرحمة،جيلًا يعرف أن العلم قوة، والأخلاق حصانة،وأن أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان خلفه ليس عدد من عرفوه،
بل أثرٌ طيبٌ لا يمحوه الزمن.
الجزائر

شاهد أيضاً

لبنى محمود تكتب.. خاتمة الحوار الوعر

بعيدا عن خاتمة الحوار الوعر وبداية حوار قادملا أعرف ورود كلماته من أشواكها غير مايتوقعه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *