جمال حسين يكتب.. مصر والسعودية «إيد واحدة»


زيارة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي لمصر حملت رسالة سعودية واضحة إلى مصر مفادها أن المملكة تحتاج إلى الدور المصري السياسي والدبلوماسي في المرحلة المقبلة.
ترى ان القاهرة أحد مفاتيح البحث عن مَخرج للأزمة اليمنية قبل أن تتحول جبهة باب المندب إلى حرب مفتوحة تستنزف المنطقة بأكملها.
والمؤكد أن مصر تمتلك أوراقاً مهمة.
فالقاهرة ليست طرفاً في الصراع اليمني، وفي الوقت نفسه تربطها علاقات تاريخية وقنوات اتصال مع مختلف الأطراف الإقليمية، بما فيها إيران. وهذه ميزة سياسية نادرة في منطقة أصبحت فيها الخنادق أكثر من الجسور.
لا يختلف اثنان على أن زيارة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي ورئيس مجلس الوزراء، إلى القاهرة في هذا التوقيت ليست زيارة عادية خاصة أنها تأتي بعد أيام قليلة من أحداث باب المندب، فالمشهد الإقليمي يغلي، وجبهة اليمن عادت لتفرض نفسها بقوة، والتطورات المتسارعة بالقرب من باب المندب جعلت أمن البحر الأحمر قضية مشتركة لا تخص دولة واحدة، بينما تظل مصر والسعودية في قلب المعادلة بحكم الموقع والجغرافيا والمصالح، ولهذا تبدو القاهرة اليوم محطة شديدة الأهمية في حسابات الرياض.
بالتأكيد الزيارة تحمل رسالة سعودية واضحة إلى مصر مفادها أن المملكة تحتاج إلى الدور المصري السياسي والدبلوماسي في المرحلة المقبلة. يمكن أن تكون القاهرة أحد مفاتيح البحث عن مَخرج للأزمة اليمنية قبل أن تتحول جبهة باب المندب إلى حرب مفتوحة تستنزف المنطقة بأكملها.
المؤكد أن مصر تمتلك أوراقاً مهمة.
فالقاهرة ليست طرفاً في الصراع اليمني، وفي الوقت نفسه تربطها علاقات تاريخية وقنوات اتصال مع مختلف الأطراف الإقليمية، بما فيها إيران. وهذه ميزة سياسية نادرة في منطقة أصبحت فيها الخنادق أكثر من الجسور.
كما أن مصر تدرك أنّ أمن البحر الأحمر وباب المندب ليس ملفاً بعيداً عن أمنها القومي؛ فاستقرار هذا الممر البحري يرتبط مباشرة بحركة الملاحة الدولية وقناة السويس، وأي اضطراب طويل الأمد في جنوب البحر الأحمر يمكن أن ينعكس على الاقتصاد المصرى والتجارة العالمية. وقد أكدت الحكومة اليمنية أخيراً أن أمن البحر الأحمر يمثل مصلحة استراتيجية مشتركة لمصر واليمن، وأن باب المندب وقناة السويس حلقتان مترابطتان في ممر بحري واحد، ومن هنا يمكن فهم أهمية الدور المصري المحتمل في التهدئة لا التصعيد. القاهرة تستطيع أن تتحدث مع الرياض، وفي الوقت نفسه تستطيع أن تفتح قنوات مع طهران، دون أن يعني ذلك التنازل عن أمن السعودية أو القبول بأي تهديد لأمنها. بل إن الرئيس السيسى سبق أن أكد أن أمن المملكة العربية السعودية وسائر الدول العربية امتداد للأمن القومي المصري، مع الدعوة إلى خفض التصعيد وحماية أمن المنطقة.
وهنا قد يكون السؤال الأهم: هل تريد الرياض من القاهرة أن تساعد في بناء مسار سياسى يضم إيران إلى جانب الأطراف اليمنية والإقليمية، بهدف احتواء التصعيد وفتح الطريق أمام تسوية سياسية؟
هذا الاحتمال يستحق التوقف أمامه، خصوصاً أن القاهرة شاركت خلال الشهور الماضية في اتصالات واجتماعات إقليمية ركزت على خفض التصعيد وأمن الممرات المائية. وفي يونيو الماضي استضافت القاهرة اجتماعاً رباعياً ضم مصر والسعودية وتركيا وباكستان، وأكد المشاركون أهمية خفض التصعيد ودعم الحلول الدبلوماسية، لكن زيارة «بن سلمان» لا تحمل ملفاً سياسياً فقط فالاقتصاد حاضر بقوة.
السعودية ليست مجرد شريك سياسي لمصر، وإنما شريك اقتصادى واستثمارى بالغ الأهمية. والمملكة تأتى في مقدمة الدول صاحبة الاستثمارات والعلاقات التجارية المؤثرة مع القاهرة، بينما تمثل مصر سوقاً كبيرة ومركزاً إقليمياً للإنتاج والتصدير والخدمات والطاقة واللوجيستيات.
وتشير المعطيات المنشورة بالتزامن مع الزيارة إلى أن السعودية تستحوذ على نحو 6.5% من صادرات مصر غير البترولية، كما تزايد حضور الاستثمارات السعودية في الشركات الجديدة داخل مصر.
ولذلك فإن لقاء السيسى وبن سلمان فرصة للانتقال بالعلاقة الاقتصادية من مجرد زيادة حجم الاستثمارات إلى شراكة إنتاجية حقيقية، تقوم على مشروعات مشتركة تستهدف السوق المصرية والعربية والأفريقية، خصوصاً في الطاقة والصناعة والسياحة والعقارات واللوجيستيات والزراعة والتكنولوجيا، فالمنطقة تتغير، ومن يملك المال يحتاج إلى من يملك السوق والموقع والقوة البشرية والخبرات، ومصر والسعودية تملكان عناصر تكامل هائلة. ولهذا فإن زيارة محمد بن سلمان للقاهرة تبدو أقرب إلى قمة سياسية واقتصادية في آن واحد.
سياسياً، تبحث الرياض عن أكبر قدر من التنسيق مع القاهرة في مواجهة تداعيات اليمن وباب المندب، ومصر تملك فرصة للعب دور في التهدئة وفتح النوافذ السياسية بدلاً من ترك المنطقة رهينة للحلول العسكرية.
واقتصادياً، تبدو الفرصة أكبر من أي وقت مضى لتحويل العلاقات المصرية السعودية إلى قوة استثمارية وإنتاجية مشتركة، وفي الحالتين، هناك حقيقة واحدة لا يمكن تجاهلها: أمن مصر والسعودية مترابط.. واستقرار البحر الأحمر مصلحة مشتركة، والتنمية الاقتصادية تحتاج إلى الاستقرار السياسى.
ومن هنا تأتي أهمية زيارة «بن سلمان»، فربما لا تكون القاهرة مجرد محطة في جولة ولى العهد، وإنما محطة بحث عن شريك يستطيع أن يتحدث بلغة السياسة عندما تعجز لغة السلاح، وأن يحول العلاقات التاريخية بين القاهرة والرياض إلى قوة لصناعة الاستقرار والتنمية في المنطقة.. مرحباً بالأمير محمد بن سلمان في بلده الثاني أرض الكنانة.

شاهد أيضاً

حمدى رزق يكتب.. هشام عبدالحميد «عودة الابن الضال»

عودة الابن الضال» فيلم دراما مصرى إنتاج عام 1976م. إخراج العبقرى يوسف شاهين، وشارك شاهين …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *