مياه النيل بالنسبة لمصر ليست قضية سياسية عابرة ولا ملفا يمكن تأجيله أو التعامل معه بمنطق المساومات وإنما هى قضية حياة ووجود وأمن قومي ولذلك فإن أي تحرك يستهدف التأثير فى حقوق مصر المائية لا يمكن أن يمر دون موقف مصري واضح وحاسم مع التمسك فى الوقت نفسه بالحلول السياسية والقانونية التي تحفظ حقوق جميع الاطراف
لقد أدان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فى أكثر من مناسبة مشروع سد النهضة الأثيوبي وحذر من خطورته على مصر وأكد أن قضية مياه النيل من القضايا التى لا ينبغى التلاعب بها كما أنتقد فى وقت سابق مشاركة الولايات المتحدة الامريكية فى تمويل المشروع وأبدى استعداده للتدخل من أجل المساعدة فى انهاء الأزمة بين مصر واثيوبيا , لكن الموقف الأثيوبي لم يتغير واستمرت أديس أبابا فى تنفيذ مشروعها بل تحدثت عن خطط لإنشاء سدود جديدة فى الوقت الذى تتحدث فيه واشنطن عن ضرورة منع تحول أزمة سد النهضة الى صراع يصعب احتواؤه.
وهنا تبرز علامات استفهام مشروعة حول الموقف الأمريكي فإذا كانت الولايات المتحدة تدرك خطورة الأزمة وتعرف أهمية مياه النيل بالنسبة لمصر والسودان فلماذا لا تستخدم نفوذها السياسي والدبلوماسي للضغط من أجل التوصل الى اتفاق قانونى ملزم يضمن حقوق الدول الثلاث ؟
أن الولايات المتحدة تتحدث دائما عن علاقات استراتيجية ومميزة مع مصر , ومصر دولة محورية فى المنطقة بحكم موقعها الجغرافي وتاريخها ودورها السياسي فضلا عن تأثيرها فى قضايا الأمن والاستقرار بالشرق الاوسط ومن ثم فإن الحفاظ على استقرارها المائي ليس شأنا مصريا فقط وإنما قضية ترتبط بإستقرار المنطقة كلها . أما اثيوبيا, فقد اختارت منذ سنوات ساسية فرض الأمر الواقع وهو أمر يزيد من صعوبة الوصول الى تسوية عادلة وكان انسحابها من بعض مسارات التفاوض وعدم الوصول الى اتفاق ملزم مصدرا لمزيد من القلق لدى القاهرة والخرطوم .
مصر لا تستطيع التفريط فى حقها التاريخي في مياه النيل لأن النيل بالنسبة للمصريين شريان حياة وفى المقابل فإن السودان يعيش ظروفا بالغة الصعوبة بسبب الحرب الدائرة والأزمة الانسانية وهو ما يجعل أى اضطراب إضافي في ملف المياه أكثر خطورة على البلدين .
ومن حق مصر أن تدافع عن أمنها المائي بكل الوسائل السياسية والدبلوماسية والقانونية المشروعة , وأن تستخدم أوراقها المتاحة ولكن فى إطار من الحكمة وضبط النفس لآن المنطقة لا تحتمل صراعا جديدا .
والاخطر من ذلك أن استمرار المواقف الدولية المتناقضة قد يشجع اثيوبيا على المضى قدما فى سياسة الأمر الواقع, وهو ما قد يجعل الأزمة أكثر تعقيدا بمرور الوقت, أما الحديث عن وجود دعم إسرائيلي صهيوني وأمريكي خفى لإثيوبيا , فيجب التعامل معه بحذر , وعدم تحويله الى بديل عن التحرك الدبلوماسي المصري فالمعركة الحقيقية هى معركة الحفاظ على الحقوق المائية المصرية وحشد المجتمع الدولى خلف حل عادل وقانونى
إن الولايات المتحدة مطالبة بإعادة حساباتها فى ملف سد النهضة فمصر ليست دولة هامشية يمكن تجاوزها مصالحها وإثيوبيا ليست دولة يمكن أن يسمح لها بفرض إرادتها على نهر دولى دون مراعاة حقوق دولتى المصب .
ولدى مصر أوراق كثيرة يمكن استخدامها لكن قوة مصر الحقيقية ليست فقط فى هذه الاوراق وإنما فى قدرتها على الجمع بين الدبلوماسية والوعى بحقوقها والاستعداد للدفاع عنها .
إن القضية النيل تحتاج الى عقلاء لا الى مغامرين والى مفاوضات جادة لا الى تصريحات متناقضة والى اتفاق ملزم لا الى وعود تتغير من يوم الى أخر .
فالنيل ليس مجرد مياه تجرى فى مجرى وإنما هو حياة شعب ومستقبل وطن ومن يهدد أمن النيل عليه أن يدرك أن مصر لن تتخلى عن حقها فى الحياة .
كاتب وباحث اقتصادي ومحام بالاستئناف العالي ومجلس الدولة
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
