قال لاعب الهوكي الأسطوري «واين جريتزكي» جملةً صارت تُقتبس في كل مكان إلا ملاعب الهوكي: «أنت تُخطئ مائة في المائة من التسديدات التي لا تُسدِّدها». جملةٌ بسيطة إلى حدّ الخداع، لأنها تقول ما لا نحبّ سماعه: أنّ الامتناع ليس موقفًا محايدًا، وأنّ عدم المحاولة ليس تعادلًا مع القدر، بل هزيمةٌ مكتملة الأركان، وقّعناها سلفًا ونمنا قريري العين.
نحن نُجيد إحصاء الخسائر المرئية. نعرف كم كلّفنا القرار الخاطئ، والدواء غير المناسب، والجراحة التي لم تنجح. لدينا لكل ذلك سجلٌّ ومؤشرٌ ولجنةُ مراجعة. أما الخسائر التي نتكبّدها حين لا نفعل شيئًا، فلا سجلّ لها ولا مؤشر؛ لأنها لا تقع في صورة حدث، بل في صورة غياب. والغياب — بطبيعته — لا يُصدر ضجيجًا.
في علم السمع نسمّي هذا «العتبة». العتبة السمعية هي أخفض شدةٍ يستطيع الإنسان عندها أن يرصد الصوت. وما دون العتبة ليس صمتًا حقيقيًا؛ الصوت موجود، والموجة تمرّ، والهواء يهتزّ فعلًا — لكن الأذن لا تُبلِّغ عنه. وهكذا تمامًا خسائر الامتناع: إنها تحدث، وتتراكم، وتُستَقطَع من العمر ومن الميزانية ومن فرص البلد، لكنها تظلّ دون عتبة الانتباه. لا أحد يشعر بالفرصة التي ضاعت، لأن الفرصة الضائعة لا تترك جثة ولا فاتورة ولا محضرًا.
خذ أوضح صور ذلك في الطب: الاكتشاف المبكر. المرأة التي تؤجّل فحص الثدي لا يحدث لها شيء يوم التأجيل؛ هذه هي المشكلة بالضبط. لا ألم، ولا عَرَض، ولا إنذار. الخسارة تُسجَّل صامتة، ثم تُقدَّم الفاتورة كاملة بعد سنتين أو ثلاث، حين يصير الورم الذي كان يُستأصل في عيادة صباحية بروتوكولًا طويلًا من العلاج الكيماوي. والرجل الذي يعرف أن ضغطه مرتفع ويؤجّل، والسيدة التي تُرجئ تطعيم طفلها، والشاب الذي يقول «لاحقًا» لفحص فيروس سي أو السكري: كلّهم لم يفعلوا شيئًا خاطئًا بالمعنى الإجرائي. هم فقط لم يفعلوا. وهذه — كما قال الرجل عن التسديدات — خسارة بنسبة مائة في المائة.
وهنا تكمن المفارقة التي أراها كل يوم من موقعي: المريض لا يخاف من المرض بقدر ما يخاف من الخبر. التأجيل ليس كسلًا في أغلب الأحيان، بل حيلة نفسية دفاعية: ما دمتُ لم أفحص، فأنا سليم بحكم عدم العلم. وهو منطقٌ مريح ومُهلِك معًا، لأنه يشتري راحة أسبوع بثمن سنوات. الفحص لا يصنع المرض، وإنما يترجمه إلى لغة يمكن التعامل معها. الفحص هو ببساطة رفعُ الصوت فوق العتبة، لا أكثر.
ثم إنّ للقاعدة وجهًا آخر لا يقلّ أهمية، وجهًا مؤسسيًا. فالمؤسسات أيضًا تُخطئ مائة في المائة من القرارات التي لا تتخذها. في الإدارة العامة، الامتناع عن القرار يبدو دائمًا الخيار الأقلّ كلفة: من لا يقرّر لا يُحاسَب، ومن لا يُبادر لا يُخطئ، ومن يترك الملف على مكتبه ينجو من التقييم. غير أنّ هذا الأمان وهمي تمامًا؛ فكلفة القرار المؤجَّل تُدفع كاملةً، لكنها تُدفَع خارج نطاق المسؤولية الشخصية — في صورة خدمةٍ لم تتطوّر، وكادرٍ لم يُدرَّب، ومنظومةٍ ظلّت تعمل بمنطق عشر سنوات مضت. الفرق الوحيد أنّ صاحب القرار الخاطئ يُلام، وصاحب اللاقرار يُشكَر على «الحكمة».
ولأنّ العدل يقتضي الاكتمال، فالجملة ليست دعوةً إلى التهوّر. في الطب، كما في الإدارة، هناك فعلٌ ضارّه أكثر من نفعه: التحاليل المفرطة التي تكتشف ما لا يستحق أن يُكتشف فتُدخل صاحبها في دوّامة قلقٍ وإجراءات، والدواء الذي يُصرف بلا داعٍ، والقرار المتسرّع الذي يُعاد بعد شهر. «لا تُؤذِ أولًا» مبدأٌ عمره ألفا عام ولم يسقط بعد. والفرق بين الشجاعة والتهوّر ليس في مقدار الحركة، بل في وجود البيّنة: الشجاعة أن تتحرك وأنت تعرف الاحتمالات، والتهوّر أن تتحرك وأنت تجهلها، والجبن أن تعرفها ثم لا تتحرك.
ما أودّ قوله إنّ التأجيل قرار، لا تأجيلًا لقرار. حين تُرجئ الموعد، فأنت لم تُبقِ الخيار مفتوحًا، بل اخترت — نيابةً عن نفسك بعد خمس سنوات — أن يبدأ علاجه متأخرًا. وحين تُرجئ المؤسسة الإصلاح، فهي لم تحفظ الوضع القائم، بل اختارت أن تدفع فاتورته مضاعفة لاحقًا، بعملةٍ أغلى.
فإن أردتَ اختبارًا عمليًا لهذا الكلام، فهو أبسط ممّا تظنّ: فكّر الآن في الشيء الصحي الواحد الذي تعرف أنه يجب أن تفعله، وتعرف أيضًا أنك تؤجّله منذ شهور. مكالمة لحجز موعد. تحليل. تطعيم متأخر. فحص سمع لطفلٍ تشكّ في استجابته. مشيٌ نصف ساعة يوميًا. لا تفعله كله اليوم؛ افعل الخطوة الأولى منه فقط، تلك التي تستغرق ثلاث دقائق.
هي تسديدة واحدة. قد تدخل وقد لا تدخل. لكن ما لا يحتمل الشكّ أنّ التسديدة التي لا تُطلَق لا تدخل أبدًا.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
