السبت , 10 أكتوبر 2026

د. حَمَادَةَ السَّيِّدِ عَلِيٍّ يكتب .. حِينَ صَاغَتْ دِمَاءُ المِصْرِيِّينَ مَلْحَمَةَ أُكْتُوبَرَ الخَالِدَةَ


لَمْ تَقْتَصِرْ حَرْبُ أُكْتُوبَرَ عَلَى سِتِّ سَاعَاتٍ، وَلَمْ تَنْتَهِ فُصُولُ إِنْجَازَاتِهَا بِانْقِضَاءِ السَّادِسِ مِنْ أُكْتُوبَرَ الْخَالِدِ.
يُخْطِئُ مَنْ يَظُنُّ أَنَّ الْمَعْرَكَةَ وَضَعَتْ أَوْزَارَهَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الَّذِي اسْتَقَرَّ فِي أَكْنَانِ الذَّاكِرَةِ مُنْذُ زُهَاءِ نِصْفِ قَرْنٍ.
فِي السَّادِسِ مِنْ أُكْتُوبَرَ، انْطَلَقَتْ صَيْحَةُ الْبِدَايَةِ؛ حَيْثُ تَهَاوَتْ أُسْطُورَةُ “خَطِّ بَارْلِيفَ” الَّذِي زَعَمُوا أَنَّهُ لَا يُقْهَرُ، وَتَبَخَّرَ غُرُورُ الْمَقُولَةِ الزَّائِفَةِ: “مِصْرُ لَنْ تَجْرُؤَ عَلَى الْحَرْبِ”، لِتَتَحَطَّمَ مَعَهَا هَيْبَةُ الْعَدُوِّ، وَتَنْهَارَ مَعْنَوِيَّاتُ جُنُودِهِ.
لَكِنَّ المَلْحَمَةَ لَمْ تَقِفْ عِنْدَ تِلْكَ السَّاعَاتِ الأُولَى، بَلِ اسْتَعَرَتِ المَعَارِكُ الطَّاحِنَةُ المَلِيئَةُ بِالنَّارِ وَالدَّمِ لِمُدَّةِ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ يَوْمًا، امْتَدَّتْ حَتَّى الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ أُكْتُوبَرَ.
فِي السَّابِعِ مِنْ أُكْتُوبَرَ، انْدَلَعَتْ مَعْرَكَةُ الدَّبَّابَاتِ الْكُبْرَى؛ إِذْ دَفَعَ الْعَدُوُّ بِـ (١٠٠٠) دَبَّابَةٍ يَقُودُهَا كِبَارُ جِنِرَالَاتِهِ “آدَانُ”، وَ”شَارُونُ”، وَ”مَنْدْلَرُ”، فَتَصَدَّتْ لَهُمْ مِصْرُ بِـ (٩٥٠) دَبَّابَةٍ بِبَسَالَةٍ بَالِغَةٍ تَحْتَ قِيَادَةِ الْبَطَلِ “حَسَنِ أَبِي سَعْدَةَ”، وَبِمُشَارَكَةِ فِرَقِ الْمُشَاةِ بِقِيَادَةِ “فُؤَادِ عَزِيزٍ”.
وَعَلَى مَدَى يَوْمَيْنِ مِنْ قِتَالٍ شَرِسٍ، انْتَهَتِ المَلْحَمَةُ بِدَحْرِ “شَارُونَ” وَ”آدَانَ”، بَيْنَمَا لَقِيَ “مَنْدْلَرُ” حَتْفَهُ بِلَا عَوْدَةٍ.
وَمِنْ ثَمَّ انْطَلَقَتْ مَلْحَمَةُ أَبْطَالِ الدِّفَاعِ الْجَوِّيِّ فِي سَمَاءِ بُورْسَعِيدَ، فَرَدَّتِ الْمُقَاتِلَاتِ الْمُعَادِيَةَ خَائِبَةً، لِتُمَهِّدَ الطَّرِيقَ لِيَوْمِ التَّاسِعِ مِنْ أُكْتُوبَرَ؛ حِينَ تَقَدَّمَتِ الدَّبَّابَاتُ الْإِسْرَائِيلِيَّةُ فِي زَهْوٍ وَهْمِيٍّ خَلْفَ كَتَائِبِ الْمُشَاةِ الْمِصْرِيَّةِ الَّتِي تَظَاهَرَتْ بِالِانْسِحَابِ بِقِيَادَةِ الْبَطَلِ “عَبْدِ رَبِّ النَّبِيِّ حَافِظٍ”.
وَمَا إِنْ وَلَجَتِ الدَّبَّابَاتُ الْمُعَادِيَةُ الْعُمْقَ، حَتَّى اكْتَشَفَتْ أَنَّهَا فِي شَبَكَةِ كَمِينٍ مُحْكَمٍ أَعَدَّهُ “حَسَنُ أَبُو سَعْدَةَ”؛ فَسَقَطَتْ عَلَيْهِمْ صَوَارِيخُ “السَّاجِرِ” وَقَذَائِفُ “الْآرْ بِـي جِي” كَالصَّوَاعِقِ، فَتَبَدَّدَ أَكْثَرُ مِنْ ثُلُثَيْ قُوَّاتِهِمْ، وَفَرَّ “آدَانُ” بِمَنْ بَقِيَ، بَيْنَمَا وَقَعَ قَائِدُهُمْ “عَسَافُ يَاجُورِي” أَسِيرًا فِي أَيْدِي الرِّجَالِ؛ وَهِيَ الْمَعْرَكَةُ الَّتِي خَلَّدَهَا التَّارِيخُ بِاسْمِ “مَعْرَكَةِ الْفِرْدَانِ”.
وَمَعَ إِشْرَاقَةِ الْعَاشِرِ مِنْ أُكْتُوبَرَ، جَدَّدَ الْعَدُوُّ هُجُومَهُ الْمُدَرَّعَ الْمَدْعُومَ بِقُوَّاتِ “الْكُومَانْدُوزِ”، فَتَلَقَّى صَفْعَةً حَاسِمَةً أُخْرَى أَجْبَرَتْهُ عَلَى التَّرَاجُعِ مَعَ أُفُولِ الشَّمْسِ.
وَبَيْنَ الْحَادِي عَشَرَ وَالثَّالِثِ عَشَرَ مِنْ أُكْتُوبَرَ، خَاضَتْ قُوَّاتُنَا “مَعْرَكَةَ الْمَضَائِقِ” وَحَقَّقَتِ الِانْتِصَارَ، لِتَتْبَعَهَا أَهْوَالُ “الدَّفْرَسُوَارِ”؛ حَيْثُ حَاوَلَ “شَارُونُ” إِقَامَةَ جِسْرٍ لِلْعُبُورِ، فَاعْتَرَضَتْهُ قُوَّاتُ “عَبْدِ رَبِّ النَّبِيِّ حَافِظٍ” بِصُدُورٍ عَارِيَةٍ وَإِرَادَةٍ لَا تَلِينُ، فَمَنَعُوهُ مِنْ إِتْمَامِ مُهِمَّتِهِ وَأَرْغَمُوهُ عَلَى النُّكُوصِ.
وَفِي صَبَاحِ الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْ أُكْتُوبَرَ، سَجَّلَ التَّارِيخُ المَلْحَمَةَ الجَوِّيَّةَ الخَالِدَةَ: “مَعْرَكَةَ المَنْصُورَةِ الجَوِّيَّةَ”؛ أَكْبَرَ وَأَطْوَلَ مَعْرَكَةٍ جَوِّيَّةٍ مُنْذُ الحَرْبِ العَالَمِيَّةِ الثَّانِيَةِ، اسْتَهْدَفَ فِيهَا العَدُوُّ القَوَاعِدَ المِصْرِيَّةَ فِي المَنْصُورَةِ وَطَنْطَا وَالصَّالِحِيَّةِ بِـ (170) طَائِرَةً، فَتَصَدَّتْ لَهُمْ (64) مُقَاتِلَةً مِصْرِيَّةً مِنْ طِرَازِ “مِيجْ”.
وَتَحَوَّلَتْ سَمَاءُ الدَّلْتَا إِلَى جَهَنَّمَ حَمْرَاءَ لِلْمُعْتَدِينَ؛ إِذِ انْسَحَبُوا بَعْدَ سُقُوطِ (50) طَائِرَةً لَهُمْ، مُقَابِلَ (7) طَائِرَاتٍ مِصْرِيَّةٍ فَقَطْ.
وَمِنْ شَوَاهِدِ التَّارِيخِ وَاقِعَةُ الطَّيَّارِ الإِسْرَائِيلِيِّ الأَسِيرِ حِينَ الْتَقَى بِقَائِدِ سِلَاحِ الْجَوِّ الْمِصْرِيِّ آنَذَاكَ (اللِّوَاءِ طَيَّارٍ مُحَمَّدٍ حُسْنِي مُبَارَكٍ)، حَيْثُ سَأَلَهُ الْقَائِدُ عَنْ أَخْطَائِهِمُ الْفَادِحَةِ، فَأَجَابَهُ الطَّيَّارُ الْمَهْزُومُ بِانْكِسَارٍ: “سَيِّدِي، نَحْنُ لَمْ نَتَغَيَّرْ.. بَلْ أَنْتُمُ الَّذِينَ تَغَيَّرْتُمْ!”.
وَمَعَ صَبَاحِ السَّادِسِ عَشَرَ مِنْ أُكْتُوبَرَ، اشْتَعَلَتْ “مَعْرَكَةُ المَزْرَعَةِ الصِّينِيَّةِ”، فَالْتَقَتِ القُوَّاتُ الخَاصَّةُ المِصْرِيَّةُ مَعَ كُومَانْدُوزِ العَدُوِّ فِي قِتَالٍ حَاسِمٍ بِالسُّونْكِي وَالخَنَاجِرِ، فَمَنَعُوا خَرْقَهُمْ وَكَبَّدُوهُمْ خَسَائِرَ جَسِيمَةً.
وَعِنْدَمَا حَاوَلَ الْعَدُوُّ التَّسَلُّلَ نَحْوَ الْإِسْمَاعِيلِيَّةِ، صَدَّتْهُ كَتَائِبُ الصَّاعِقَةِ وَالْمَظَلَّاتِ بِقِيَادَةِ الْبَطَلِ “عَبْدِ الْمُنْعِمِ خَلِيلٍ”.
وَفِي الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ أُكْتُوبَرَ، خَرَقَ الْعَدُوُّ الْقَرَارَ الدَّوْلِيَّ لِوَقْفِ إِطْلَاقِ النَّارِ وَحَاوَلَ اقْتِحَامَ السُّوَيْسِ، وَحِينَ اتَّصَلُوا يَطْلُبُونَ اسْتِسْلَامَ الْمَدِينَةِ، رَدَّ الرَّائِدُ رِفْعَتُ شِتَا (رَئِيسُ شُرْطَةِ النَّجْدَةِ) بِإِبَاءٍ وَقَطَعَ الْخَطَّ فِي وُجُوهِهِمْ.
وَعِنْدَمَا قَطَعَ الْعَدُوُّ كَابِلَ الِاتِّصَالِ الرَّئِيسِيَّ مَعَ الْقَاهِرَةِ، أَعَادَ الرَّائِدُ “رِفْعَتُ” الْحَيَاةَ لِخَطٍّ قَدِيمٍ مَهْجُورٍ، لِتَكُونَ نَجْدَةُ السُّوَيْسِ شِرْيَانَ الِاتِّصَالِ الْوَحِيدَ بَيْنَ الْقِيَادَةِ وَالْجَيْشَيْنِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ.
وَمَعَ تَسَاقُطِ القَنَابِلِ، اعْتَلَى النَّقِيبُ “حَسَنُ أُسَامَةَ” مِنْبَرَ المَسْجِدِ يَدْعُو لِلْجِهَادِ، فَالْتَحَمَ أَهْلُ السُّوَيْسِ مَعَ الشُّرْطَةِ وَالجَيْشِ. وَفِي “قِسْمِ شُرْطَةِ الأَرْبَعِينِ”، تَحَصَّنَ العَدُوُّ بِالمَدَنِيِّينَ، فَاسْتُشْهِدَ مَأْمُورُ القِسْمِ الرَّائِدُ “نَبِيلُ شَرَفٍ”، وَصَمَدَ النَّقِيبُ “عَاصِمُ حَمُودَةَ” مَعَ أَرْبَعَةٍ مِنْ رِجَالِهِ لِمُدَّةِ سَاعَةٍ كَامِلَةٍ ضِدَّ فِرْقَتَيْنِ كَامِلَتَيْنِ، وَاسْتُشْهِدُوا جَمِيعًا بِبَسَالَةٍ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ الصَّاعِقَةُ وَتُحَرِّرَ الرَّهَائِنَ.
هُـمِّشَ “آدَانُ” وَانْسَحَبَ، فَلَجَأَتْ إِسْرَائِيلُ إِلَى خِيَارِهَا المَرْعُوبِ “مِيكْرَعْ هَاكُولْ” وَأَعْلَنَتِ التَّأَهُّبَ النَّوَوِيَّ، لَكِنَّ المِصْرِيِّينَ لَمْ يُثْنِهِمُ التَّهْدِيدُ.
وَفِي السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ أُكْتُوبَرَ، خَضَعَ الْعَدُوُّ وَطَلَبَ الْهُدْنَةَ، فَكَانَتْ “مُبَاحَثَاتُ الْكِيلُو 101” بِمَفَاهِيمَ مِصْرِيَّةٍ خَالِصَةٍ.
وَفِي الثَّامِنِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ أُكْتُوبَرَ، صَمَتَتِ الْمَدَافِعُ بَعْدَ أَنْ أَصْبَحَ الْعَدُوُّ مَبْثُوثًا بَيْنَ قَتِيلٍ وَأَسِيرٍ.
إِنَّ نَصْرَ أُكْتُوبَرَ لَمْ يَكُنْ خَاطِفًا وَلَا نُزْهَةً، بَلْ كَانَ صِرَاعَ بَقَاءٍ وَثَبَاتٍ خَاضَهُ الْمِصْرِيُّونَ بِالدَّمِ وَالْحَدِيدِ.
فَالْحَرْبُ لَمْ تَنْتَهِ يَوْمَ 6 أُكْتُوبَرَ 1973، بَلْ كَانَتْ بِدَايَةَ الْمَجْدِ الَّذِي أَعَادَ لِلأُمَّةِ كَرَامَتَهَا.
فَلْتَكُنْ دَائِمًا عَلَى اسْتِعْدَادٍ، فَإِنَّ الأَوْطَانَ تُصَانُ بِاليَقَظَةِ وَالعَزْمِ الَّذِي لَا يَفْنَى.

الْكَاتِبِ الصَّحَفِيِّ الْمُتَخَصِّصِ فِي الشُّؤُونِ السِّيَاسِيَّةِ

شاهد أيضاً

د. ذكري الصيفي يكتب.. اكتوبر شهر العِزَّةِ..

في العلوم السياسية، تُقاس قوة الدول بقدرتها على فرض إرادتها وحماية أمنها القومي. فقبل أكتوبر، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *