لم تعد التحولات التي يشهدها الشرق الأوسط مجرد تطورات عسكرية عابرة، أو خلافات سياسية يمكن احتواؤها بالوسائل التقليدية، وإنما أصبحت تعبيرًا عن إعادة تشكيل عميقة لموازين القوى الاقليمية، في ظل تداخل المصالح الدولية، وتصاعد التهديدات الأمنية، وتزايد إدراك القوى الاقليمية أن استمرار المواجهات العسكرية قد يقود المنطقة إلى نتائج يصعب التحكم فيها.
وفي هذا السياق تكتسب زيارة وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان إلى العاصمة الايرانية طهران، يوم الاثنين 26 أكتوبر 2026م ، أهمية استراتيجية تتجاوز حدود العلاقات الثنائية بين الرياض وطهران، لتطرح التساؤلات الجوهرية حول مستقبل الأمن الخليجي، وموقع إيران في المعادلة الاقليمية، وطبيعة التحالفات الجديدة التي بدأت تتشكل في الشرق الأوسط، فالزيارة لم تكن تحركًا سعوديًا منفردًا، وإنما جاءت في إطار اجتماعات ضمت ممثلين عن السعودية وتركيا وباكستان، بمشاركة مسؤولين إيرانيين، بهدف خفض التصعيد وفتح قنوات الحوار، وقد انتهت الاجتماعات بالاتفاق على مواصلة المشاورات بشأن الأمن والسلام الاقليميين، دون إعلان تسوية نهائية للأزمات القائمة.
والسؤال الأهم ليس لماذا زار وزير الدفاع السعودي إيران، وإنما لماذا جاءت الزيارة في هذا التوقيت، ولماذا تولى وزير الدفاع تحديدًا قيادة الوفد السعودي؟
وفي تقديري تكمن الاجابة في أن طبيعة الأزمة الراهنة تجاوزت حدود الدبلوماسية التقليدية، وأصبحت ترتبط مباشرة بالأمن القومي، والقدرات العسكرية، وحسابات الردع، ومستقبل التوازن الاستراتيجي في المنطقة.
ولقد أدركت القوى الاقليمية أن الحروب الحديثة، مهما بلغت فيها القوة العسكرية، لا تضمن بالضرورة تحقيق الاستقرار السياسي، وأن استمرار التصعيد قد يؤدي إلى استنزاف جميع الأطراف، وتهديد الممرات البحرية، وتعطيل أسواق الطاقة والتجارة الدولية، ومن هنا يمكن فهم الزيارة باعتبارها محاولة لاستخدام الثقل الدفاعي والسياسي للدول المشاركة في دعم المسار الدبلوماسي، وليس باعتبارها تراجعًا عن اعتبارات الأمن القومي أو تخليًا عن أدوات الردع.
وتمثل السياسة السعودية في هذه المرحلة نموذجًا لمحاولة الجمع بين تطوير القدرات الدفاعية وتوسيع هامش الحركة الدبلوماسية، فالمملكة تدرك أن حماية أمنها القومي لا تتحقق فقط بامتلاك منظومات التسليح المتقدمة، وإنما تتطلب كذلك إدارة التهديدات قبل تحولها إلى مواجهات عسكرية واسعة، وقد أكدت وزارة الخارجية السعودية أن زيارة الأمير خالد بن سلمان جاءت لتشجيع الحلول الدبلوماسية، ودعم الوساطة القطرية والباكستانية، ومنع تجدد التصعيد العسكري، وهنا تبرز الحقيقة الاستراتيجية المهمة، وهي أن الحوار بين الخصوم لا يعني بالضرورة انتهاء الخلافات، وإنما قد يعكس إدراكًا متبادلًا بأن تكلفة المواجهة أصبحت أكبر من المكاسب المتوقعة منها.
ولكن نجاح هذا التوجه يظل مرهونًا بمدى استعداد الأطراف للانتقال من التفاهمات السياسية إلى الالتزامات الأمنية القابلة للتنفيذ، وبالنسبة لايران، تمثل زيارة وزير الدفاع السعودي، بصحبة مسؤولين رفيعي المستوى من تركيا وباكستان، فرصة لاعادة النظر في طبيعة علاقاتها مع محيطها الاقليمي، فطهران تواجه معادلة معقدة تجمع بين الضغوط العسكرية والاقتصادية، وتداعيات المواجهة مع الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، والتوترات المرتبطة بأمن الخليج واليمن والممرات البحرية، وأمام هذه المعادلة، تبرز ثلاثة مسارات محتملة:
الأول الاتجاه نحو التفاهمات الاقليمية التى تقلص احتمالات المواجهة وتفتح المجال أمام معالجة الملفات الخلافية.
والثاني الاكتفاء بحوار تكتيكي يهدف إلى تخفيف الضغوط دون تغيير جوهري في السياسات الاقليمية.
أما الثالث فهو تعثر المفاوضات وعودة التصعيد، بما يحمله ذلك من مخاطر على إيران ودول الخليج والاقتصاد العالمي.
ولا يمكن الجزم بالمسار الذي ستختاره طهران، ولكن المعيار الحقيقي لن يكون التصريحات الدبلوماسية، وإنما مدى انعكاس نتائج الاجتماعات على السلوك السياسي والأمني في المنطقة، ومن أبرز دلالات اجتماعات طهران أنها جاءت بمشاركة دول اتفاقية مكة للدفاع المشترك، السعودية وتركيا وباكستان، وهذه المشاركة تمنح الزيارة بُعدًا يتجاوز العلاقات السعودية الايرانية، لتصبح جزءًا من محاولة أوسع لادارة التوازنات الأمنية عبر التنسيق بين القوى الاقليمية التى تمتلك الامكانات العسكرية والسياسية والاقتصادية المتفاوتة.
وتشير مشاركة وزير الدفاع السعودي، وقائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، ورئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن، إلى أهمية البعد الأمني في هذه التحركات، غير أن وجود هذه الدول في إطار دفاعي مشترك لا يعني بالضرورة تطابق رؤاها تجاه جميع القضايا الاقليمية، فلكل دولة مصالحها وحساباتها الاستراتيجية، ومن هنا فإن فاعلية هذا التنسيق ستتوقف على قدرته على تحقيق التوازن بين الالتزامات الدفاعية والاستقلالية السياسية لكل طرف.
ولا يمكن فهم زيارة طهران بمعزل عن تطورات الأزمة اليمنية، ولا سيما استمرار التهديدات التي تمثلها الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة لأمن المملكة والمرافق الحيوية،
وقد تزامنت اجتماعات طهران مع تقارير عن الهجمات الجديدة التى أعلن الحوثيون مسؤوليتهم عنها، وهو ما يوضح حجم التعقيد الذي تواجهه الجهود الدبلوماسية، وتكمن الاشكالية هنا في أن أي تفاهم سعودي إيراني لا ينعكس على خفض التهديدات العابرة للحدود سيظل محدود التأثير في البيئة الأمنية، كما أن معالجة الأزمة اليمنية لا ينبغي اختزالها في بعدها العسكري، إذ تتطلب تسوية سياسية تحافظ على وحدة الدولة اليمنية وسيادتها، وتراعي المصالح الأمنية المشروعة لدول الجوار.
وبالتالي فإن أحد أهم مؤشرات نجاح زيارة طهران سيكون مدى مساهمتها في تهيئة الظروف لخفض التصعيد في اليمن، وليس مجرد استمرار الاتصالات السياسية، وتمثل مصر أحد المكونات الرئيسية لمعادلة الأمن الاقليمي، بحكم موقعها الجغرافي، وارتباط أمنها القومي بأمن البحر الأحمر وقناة السويس والخليج العربي، ومن هنا فإن أي ترتيبات أمنية جديدة في المنطقة تثير التساؤلات حول كيفية التنسيق بين القوى الاقليمية، ومدى توافق هذه الترتيبات مع منظومة الأمن القومي العربي.
ولا يعني عدم المشاركة المصرية المباشرة في اجتماعات طهران غياب دورها عن معادلات الأمن الاقليمي، خاصة أن طبيعة الاجتماع ارتبطت بالدول الأطراف في اتفاقية مكة،
وتبقى المصلحة المصرية مرتبطة بمنع اتساع المواجهات العسكرية، وحماية الملاحة الدولية، واستقرار دول الخليج، والحفاظ على وحدة الدول العربية ومؤسساتها الوطنية، ومن هذا المنطلق فإن التنسيق المصري السعودي يظل أحد المسارات المهمة في التعامل مع التحولات الاستراتيجية، دون أن يستلزم ذلك تطابق جميع المواقف أو أدوات التحرك الدبلوماسي.
ويمكن تفسير زيارة وزير الدفاع السعودي إلى طهران في ضوء نظرية الجغرافيا السياسية الذكية، باعتبارها إطارًا تحليليًا يربط بين الجغرافيا التقليدية والأبعاد العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية والمعلوماتية في تفسير سلوك الدول، فالمشهد الاقليمي الراهن لا تحكمه القوة العسكرية وحدها، وإنما تتفاعل فيه مجموعة من الأبعاد:
البعد الجغرافي ويتمثل في الأهمية الاستراتيجية للخليج العربي ومضيق هرمز والبحر الأحمر، باعتبارها مناطق تؤثر في حركة التجارة والطاقة العالمية.
البعد العسكري والأمني ويتعلق بتوازن الردع والقدرات الدفاعية وإدارة التهديدات العابرة للحدود.
البعد الاقتصادي ويتمثل في تأثير الصراعات على أسواق الطاقة والاستثمارات وسلاسل الامداد.
البعد التكنولوجي والمعلوماتي ويتصل بتزايد دور الطائرات المسيّرة، وأنظمة الاستطلاع، والقدرات السيبرانية، والمعلومات الاستخباراتية في تحديد مسارات المواجهة والتهدئة.
البعد الدبلوماسي ويعكس قدرة الدولة على توظيف التحالفات والتفاوض والوساطة لتحقيق الأهداف الأمنية دون الانزلاق إلى صراعات مفتوحة.
ومن خلال هذا المنظور يمكن القول إن زيارة طهران تعكس محاولة لادارة التفاعلات بين هذه الأبعاد بصورة أكثر تكاملًا، فالقدرة على التأثير في التوازنات الاقليمية لم تعد مرتبطة بحجم القوة العسكرية فقط، وإنما أصبحت تتأثر أيضًا بكفاءة توظيف أدوات القوة المختلفة، وإدارة المعلومات، وبناء الشراكات، واستباق الأزمات، وهنا تتجلى أهمية الانتقال من مفهوم السيطرة الجغرافية التقليدية إلى مفهوم الادارة الذكية للمجال الجيوسياسي.
ويمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل العلاقات الاقليمية عقب هذه الزيارة.
السيناريو الأول: التهدئة التدريجية، ويتمثل في استمرار المشاورات، والتوصل إلى تفاهمات جزئية بشأن أمن الخليج واليمن والممرات البحرية، بما يقلص فرص المواجهة.
السيناريو الثاني: التعايش الحذر، وفيه تستمر الخلافات الاستراتيجية، مع المحافظة على قنوات الاتصال لمنع خروج الأزمات عن السيطرة.
السيناريو الثالث: عودة التصعيد، ويتحقق إذا فشلت المساعي الدبلوماسية، أو تجددت الهجمات العسكرية، أو تعثرت جهود التسوية بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية.
ولا تسمح نتائج الاجتماع المعلنة حتى الآن بترجيح حاسم لأي من هذه السيناريوهات، خصوصًا أن الاتفاق على مواصلة الحوار لا يعادل التوصل إلى التسوية الأمنية الشاملة.
وزيارة وزير الدفاع السعودي إلى طهران ليست مجرد حدث دبلوماسي تقليدي، وإنما تمثل مؤشرًا على طبيعة المرحلة التي يمر بها الشرق الأوسط، حيث تتداخل حسابات الردع العسكري مع ضرورات التفاوض السياسي، وتتقاطع المصالح الوطنية مع التحديات الأمنية المشتركة، والدرس الاستراتيجي الأهم الذي تكشف عنه الزيارة هو أن امتلاك القوة لا يتعارض مع استخدام الدبلوماسية، وأن التفاوض لا يعني بالضرورة التنازل، كما أن التحالفات الدفاعية يمكن أن تؤدي أدوارًا تتجاوز الاستعداد للمواجهة إلى المساهمة في منع وقوعها.
ومع ذلك فإن الانتقال من الحوار إلى الاستقرار يتطلب معالجة الأسباب الحقيقية للصراعات، واحترام سيادة الدولة، والامتناع عن التدخل في شؤونها الداخلية، وضمان أمن الممرات البحرية، ووقف التهديدات العابرة للحدود، ويبقى السؤال الاستراتيجي الأكبر: هل تؤسس زيارة وزير الدفاع السعودي إلى طهران لمرحلة جديدة من الأمن الاقليمي القائم على التفاهمات المتبادلة، أم أنها مجرد محاولة لاحتواء أزمة قد تعود بصورة أكثر تعقيدًا؟
والاجابة لن تحددها الصور الرسمية أو البيانات الدبلوماسية، وإنما ستكشف عنها السياسات الفعلية التي ستنتهجها الأطراف خلال المرحلة المقبلة، فالقوة تستطيع أن تمنع الحرب أحيانًا، لكن بناء السلام المستدام يحتاج إلى إرادة سياسية قادرة على معالجة أسبابها.
أستاذ العلوم السياسية
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
