هذا السؤال مأخوذ من أغنية لشادية في الخمسينيات، احتفلت فيها بالنجاح في الامتحان، أما اليوم فنحن في هذه المنطقة نطرحه على أوروبا من غير فرح: أين هي من خارطة أزماتنا؟ في غزة والضفة الغربية، وفي إيران ولبنان والسودان، نبحث عنها فلا نجدها حيث ينبغي أن تكون.
كانت أوروبا هي التي وصفت الدولة العثمانية في قرنها الأخير بأنها «الرجل المريض». ولم تكن الدولة فقيرة ولا صغيرة، بل كانت واسعة الأرض، غنية في بعض أقاليمها، ولها مقعد على كل مائدة دبلوماسية. وإنما كان مرضها في الفجوة بين القوة التي تملكها والقوة التي تقرر استخدامها. فهل تظهر على القارة العجوز اليوم أعراض مشابهة؟
وأبدأ بما لا خلاف عليه: أوروبا قوة عظمى. فهي أكبر سوق موحدة في العالم، ولها قدرة مالية هائلة، وقدرة تنظيمية، وعلاقات دبلوماسية مع كل فاعل مؤثر، وإن كانت تعتمد على واشنطن في دفاعها العسكري. لكن هذا هو بيت القصيد: أوروبا قوة عظمى لم تقرر بعد أن تتصرف كقوة عظمى.
وقد أثبتت قدرتها فيما مضى. ففي عام 1950 اقترح روبير شومان وضع الفحم والصلب الفرنسيين والألمانيين تحت سلطة مشتركة، فاتفقت ست دول على أن تجمع الصناعات نفسها التي صنعت حروبها. أما مشروع مارشال فكان عرضاً أمريكياً، لكن الأوروبيين حولوه إلى منظومة أوروبية، فأنشأوا منظمة التعاون الاقتصادي واتفقوا فيما بينهم على كيفية توزيع الأموال. وكان كلاهما قراراً سياسياً ينظر إلى عقود قادمة، وكلاهما كان أيضاً من أنجح الاستثمارات الاقتصادية؛ فالسياسة جاءت أولاً، ثم تبعها الرخاء.
لكن عصر السياسات الكبرى انقضى، لأن الرجال الكبار الذين صنعوه لم يعودوا موجودين. كان شومان وأديناور وغيرهما يفكرون بمقياس العقود، ومع ذلك لا أنكر أنهم عملوا تحت ضغط الخراب الناتج من الحرب والتهديد السوفيتي. وقد عاد التهديد اليوم مع الحرب في أوكرانيا، لكنه أنتج ردود فعل سريعة من مال وتسليح، ولم ينتج رؤية بعيدة. ولو كان القادة الكبار موجودين لوجدوها. ومنهم البعض موجود، لكنه لا يكفي لإحداث فارق. واليوم يصنع السياسة ثمن رغيف الخبز وثمن الوقود في المحطة، ولا يرى القادة أبعد من الزيادة القادمة في الأسعار والانتخابات القادمة.
فلماذا تبتعد أوروبا عن الشرق الأوسط وأفريقيا؟ القلق يأتي من الشرق حيث روسيا، فيذهب إليها الاهتمام والمال. والجنوب لا يجلب أصواتاً حالياً. وذاكرة الاستعمار تجعل الحضور مكلفاً في الداخل ومشبوهاً في الخارج. والجنوب يفرق الأوروبيين أنفسهم فيتجنبونه. وفي الشرق الأوسط تبعت أوروبا واشنطن في أحيان كثيرة بدلاً من أن ترسم طريقها. والمفارقة أن هذه المنطقة هي مصدر طاقة أوروبا وممراتها البحرية ومعبر مهاجريها، ومن يتجاهلها يدفع ثمنه في النهاية.
في غزة والضفة الغربية امتلكت أوروبا ما لم يجتمع لغيرها: فهي أكبر شريك تجاري لإسرائيل، وتربطها بها اتفاقية شراكة، وهي من كبار المانحين للفلسطينيين، وتستطيع محادثة جميع الأطراف. ومع ذلك جاء موقفها منقسماً، وصدر في أحيان كثيرة بعد الأحداث بدلاً من أن يسبقها. فسياسياً بقيت متفرجة على حرب عند عتبة بابها. وإنسانياً، رأى الأوروبيون معاناة المدنيين كل يوم على شاشاتهم، بينما عجزت حكوماتهم عن موقف مشترك، ونحن نتذكر ذلك ونسميه ازدواجية في المعايير. وحين يبدأ تمويل الإعمار وتوقيع العقود، فإن المائدة ستكون لمن كان لهم دور في إدارة الحرب والتعامل مع تداعياتها. أما من اكتفى بالمشاهدة فسيجد مكانه بين المتفرجين لا بين الشركاء.
وفي إيران افتقرت أوروبا إلى النفوذ الذي كانت في أشد الحاجة إليه. فقد وقّعت الاتفاق النووي، ثم رأته ينهار حين انسحبت أمريكا منه، وفقدت مقعدها على الطاولة. وحين اندلعت الحرب وأُغلق مضيق هرمز، دفعت أوروبا الثمن في أسعارها وشحنها وتأمينها، فكانت طرفاً متضرراً لا فاعلاً حاسماً. وللمسألة وجه إنساني أيضاً، فالمدنيون في إيران وعلى الجانب الآخر من الخليج يدفعون ثمن الحرب والعقوبات، وكان الصوت الأوروبي دفاعاً عنهم ضعيفاً. ولو أبقت أوروبا قنواتها السياسية مفتوحة لأمكن أن تُسمع في الأمرين معاً.
ولبنان كان يوماً موضعاً لثقل فرنسا وأوروبا. وانهياره الأخير جلب مؤتمرات ووعوداً وشروطاً، ولم يجلب انخراطاً سياسياً متصلاً، ولم يبق الفراغ فارغاً.
أما السودان فهو من أسوأ الأزمات الإنسانية وأزمات النزوح في العالم، وأوروبا لا تتحدث عنه إلا قليلاً. والمعونة التي لا يسندها ثقل سياسي لا توقف حرباً ولا تكسب نفوذاً. ويدفع القتال هناك النازحين نحو ليبيا ومنها إلى المتوسط، فالسودان قضية أوروبية وإن لم تعاملها أوروبا بهذا الوصف.
والعالم من حول أوروبا تغير. فواشنطن تتعامل مع التجارة والأمن والطاقة كحساب واحد، وتستخدم قوتها السياسية والعسكرية لتحقيق مكاسب اقتصادية. هذه حقيقة، والسؤال: على حساب من؟ ليس على حساب الخصوم وحدهم، بل الحلفاء كذلك، ومنهم أوروبا. وتتجه كندا نحو أوروبا، وهذا يدل على أن القوى المتوسطة تبحث عن قطب، وبوسع أوروبا أن تكونه. وفي الوقت نفسه دخلت الصين بموانئها ومشروعاتها إلى منطقتنا وإلى أفريقيا، بينما تراجع الحضور الأوروبي. وسعي أوروبا إلى أرضية وسطى مع بكين حكيم إذا كان معناه توازن المصالح لا الميل إلى كفة. غير أن أوروبا الغائبة عن الشرق الأوسط وأفريقيا تملك أوراقاً أقل مع الجميع، وأوروبا الحاضرة تملك خيارات. والمنفعة الاقتصادية تتبع الحضور السياسي، وهذه لغة يعرفها الأوروبيون جيداً.
وتبلغ المسألة ذروتها في الهجرة، حيث يدفع قصر النظر ثمنه ناخبو أوروبا أنفسهم. فالجواب الحالي هو الصفقات: تدفع أوروبا لدول العبور كي تمنع القوارب. وهذا أرخص على المدى القصير، لكنه يجعلها رهينة لحكومات تملك بدورها ورقة ضغط على القرار الأوروبي. أما الحل البعيد فيعالج الأسباب: فرص العمل، وفتح الأسواق، والبنية الأساسية، والاستقرار في الساحل وليبيا والسودان. ولم تقدم أمريكا مشروع مارشال كرماً، بل لمنع الخراب من الانتشار. وأوروبا التي استفادت يوماً من رؤية كهذه تحتاج اليوم إلى استعادتها، فالهجرة لا تعالجها صفقات عابرة، بل سياسة تنظر إلى عقود قادمة.
ولا يكفي أن نسأل أين أوروبا، بل علينا أن نسأل أيضاً ماذا نفعل كي يأتي حضورها. فالمخاطَب متعدد على الجانبين: اثنتان وعشرون عاصمة عربية في مواجهة سبع وعشرين عاصمة أوروبية. وأوروبا أكثر منا تنظيماً؛ فلها مفوضية ومجلس وممثل أعلى للشؤون الخارجية، وتتكلم بصوت واحد في التجارة والمعونة والعقوبات، لكنها لا تتكلم بصوت واحد في شؤوننا. والطلب متبادل: أن نتفق نحن والأوروبيون على عدد محدود من الملفات، هي إعمار غزة والضفة الغربية، والسودان، وليبيا، والبحر الأحمر، وأن تكون لكل طرف جهة تنسيق واحدة وقناة دائمة على مستوى الوزراء. وعلينا أن نبدأ بترتيب بيتنا؛ ففي ليبيا والسودان يدعم بعضنا أطرافاً متنافسة، فنترك الفراغ لغيرنا.
ثم علينا أن نقدم عروضاً لا شكاوى فقط. فأوروبا تستجيب للمصالح، ويمكن ربط فرص الأسواق والاستثمار وسلاسل الإمداد والتقنية بدور سياسي واضح. وندعوها إلى أدوار محددة بملكية عربية: تمويل الإعمار والمساعدة الفنية، والوساطة والعمل الإنساني في السودان، ودعم الإصلاح في لبنان. كما أن تعاملنا مع الصين وتركيا والهند وواشنطن يوضح بهدوء أن المائدة ليست خالية وأن للانتظار ثمناً. ويمكن جمع هذه المقترحات في ميثاق متوسطي للتنمية، يحمل روح مارشال بلغة عربية: وظائف واستثمار وتنقل قانوني، بدلاً من الدفع مقابل كل قارب.
فهل أوروبا هي الدولة العثمانية الجديدة؟ لا بالتأكيد. فهي ليست منهارة، ولها الثروة والمؤسسات والسجل المثبت. لكن درس العثمانيين يظل مفيداً: فقد امتلكت الدولة في قرنها الأخير مصلحين أكفاء، بينما تقدمت الحاجات اليومية والمصالح الآنية على الإصلاح الضروري لاستعادة قدرتها على الفعل. ونحن لا نطلب من أوروبا صدقة ولا عودة إلى حضور قديم، بل شراكة تخدم مصالح الطرفين. فلا نحتاج إلى أوروبا أضعف، بل إلى أوروبا حاضرة. وقد عرفت يوماً كيف تفكر بمقياس العقود؛ ونحن مستعدون أن نفكر معها.
مساعد وزير الخارجية السابق
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
