حين تغلق قاعات المؤتمرات أبوابها وتتراجع ومضات الكاميرات وتبدأ أضواء الصخب في الخفوت لا يبقى من طنين الشعارات سوى سؤال واحد صلب ومرير يفرض نفسه بقوة على طاولة النقاش الوطني: ماذا بعد المؤتمرات؟ إن الحديث عن التنمية الصناعية في مصر اليوم لم يعد مجرد ترف فكري يحرك الندوات أو طموحا مؤجلا يُؤجل إلى غد بعيد بل أصبح معركة وجود اقتصادي حقيقية ومصيرية لا تقبل القسمة على اثنين. فالمؤتمرات تصنع البدايات والوثائق والخطط الاستراتيجية ترسم الخطوط العريضة وتضع النقاط على الحروف لكن الأوطان الكبرى لا تُبنى بالأمنيات وحدها، وإنما تشد أركانها بعرق المخلصين وبصوت الآلات المنتجة التي تكسر صمت البطالة وبحركة الماكينات التي لا تتوقف عن الدوران. ومصر تقف اليوم بثبات على عتبة فرصة تاريخية نادرة ونقطة تحول فاصلة فالعالم أجمع يتغير من حولنا بسرعة مذهلة، وسلاسل الإمداد العالمية تتصدع وتعاد صياغتها على أسس جديدة تبحث عن ملاذات آمنة، وموقع مصر الجغرافي الاستراتيجي الفريد يجعلها قبلة حقيقية لأنظار المستثمرين الإقليميين والعالميين الباحثين عن البدائل الأكثر استقرارا فهل نكون حقا على مستوى هذا الحدث الجلل ونقتنص هذه اللحظة الفارقة لنغير وجه اقتصادنا الوطني إلى الأبد؟ إن المشهد الاقتصادي المصري الراهن يعج بالكثير من التناقضات المفهومة والمزعجة في آن واحد فنحن لسنا عاجزين ولسنا فقراء في المقومات، بل نمتلك المادة الخام الغنية وفي المقابل نستورد المنتج النهائي بأبشع صور التكلفة ونملك عقولا شابة مبدعة وعبقرية تضيء في كبرى عواصم العالم بينما تعاني بعض طاقاتنا المحلية الكامنة من رواسب البيروقراطية الثقيلة والإجراءات المعطلة. إن الفرصة الصناعية الجديدة التي تلوح في الأفق اليوم لا تتعلق فقط بإقامة مصانع جديدة تقليدية بل تتعلق تغييرا جذريا بفلسفة الإنتاج برمتها. يجب أن ننتقل بشجاعة وثبات من مرحلة التجميع البسيط المحدود الأثر إلى مرحلة التصنيع الحقيقي المعمّق والمكتمل السلاسل ومن تصدير المواد الخام في صورها الأولية البسيطة التي تفقدنا قيمة مضافة هائلة إلى تصدير المنتجات النهائية التي تحمل بفخر شعار صنع في مصر بجودة عالمية تفرض نفسها بقوة في أعتى الأسواق الدولية. إن الموارد الحقيقية لمصر ليست مجرد ثروات مدفونة في باطن الأرض من معادن ومصادر طاقة متجددة وغير متجددة بل هي في المقام الأول في إنسانها العبقري هذا الشاب المصري الذي إن توفرت له البيئة التشريعية الملساء والمشجعة والدعم المالي الحقيقي والميسر والتدريب الفني المتقدم الذي يواكب متطلبات ثورة الذكاء الاصطناعي والصناعات الخضراء الحديثة لقدم عجائب اقتصادية تُذهل المراقبين وتغير موازين المنطقة لقد أثبتت القيادة السياسية والحكومية في السنوات الأخيرة الماضية قدرة فائقة ومعهودة على بناء البنية التحتية الأساسية والصلبة من شبكات طرق عملاقة وموانئ حديثة ومحطات طاقة جبارة ومناطق صناعية متطورة تضاهي المعايير العالمية وتستوعب الطموحات. ولكن كما يؤكد دائما خبراء الاقتصاد والتاريخ فإن البنية التحتية بجميع مكوناتها ليست سوى الهيكل العظمي للجسد أما التنفيذ الفعلي والاستثمار المنتج والإنتاج الحقيقي فهو الروح التي تدب في الحياة وتمنح المشروع القومی ديمومته وحيويته. واليوم الانتقال الواثق من مرحلة التخطيط ووضع الاستراتيجيات إلى مرحلة جني الثمار وحصاد النتائج يتطلب حزمة متكاملة من الخطوات الجريئة والحاسمة يأتي في مقدمتها تذليل العقبات البيروقراطية المتراكمة لتتحول الجهات الحكومية والجهات الإدارية من جباة ومُعقّدين للإجراءات إلى شركاء نجاح حقيقيين وفاعلين للمستثمر الجاد والمخلص. فالوقت في عالم المال والأعمال هو الثروة الحقيقية وكل يوم يهدر في استخراج تصريح مكاتب أو ترخيص مصنع هو فرصة ذهبية ضائعة على الاقتصاد الوطني. إلى جانب ذلك يبرز توطين الصناعات المغذية والمدخلات الوسيطة كدرع واقي وحصن حصين ضد الصدمات العالمية وأزمات سلاسل الإمداد المتتالية، فضلاً عن إحداث ثورة حقيقية وشاملة في منظومة التعليم الفني والمهني لربط مخرجات البحث العلمي باحتياجات المصانع الفعلية وسوق العمل المتسارع.
وعلى الرغم من جسامة التحديات الكبرى التي فرضتها الأزمات العالمية المتعاقبة على الاقتصاد المصري بدءا من الجائحة العالمية مرورا بالتوترات والحروب الجيوسياسية المشتعلة وصولا إلى الضغوط التضخمية الهائلة التي تعصف بالاقتصادات الكبرى إلا أن قراءة متأنية ومنصفة للتاريخ الحديث لمصر تؤكد دائماً وبلا شك أن الشعب المصري يمتلك طاقة هائلة وخارقة على النهوض والصمود حين تُتاح له الفرصة الصادقة والمناخ السليم. إننا في هذه المعركة الاقتصادية لا نبدأ من جدول عُدِم أو فراغ تام فلدينا بالفعل قطاعات صناعية واعدة أثبتت كفاءة منقطعة النظير وقدرة فائقة على النفاذ لأعتى الأسواق الأوروبية والأمريكية والعربية. ولدينا إرادة سياسية واضحة وجادة للعبور بالاقتصاد الوطني إلى بر الأمان عبر التمكين الحقيقي للقطاع الخاص وزيادة مساهمته الفاعلة في الناتج المحلي الإجمالي وتوسيع رقعة التصدير لتطرق أبوابا جديدة لم تكن ملوثة من قبل الخلاصة هنا تبدو واضحة كالشمس في كبد السماء الفرصة التاريخية أمامنا قائمة ومتاحة ولكنها بطبيعتها لا تنتظر الكسولين ولا ترحم المترددين. التاريخ الإنساني لا يرحم من يتقاعسون عن صناعة مجدهم والمستقبل الحقيقي يُكتب بمداد من أيدي من يجرؤون حقا على الفعل والتنفيذ لا الاكتفاء بالأماني. إن تحويل مواردنا الضخمة وثرواتنا المعطلة إلى قوة اقتصادية كبرى إقليميا وعالميا ليس ضربا من المستحيل ولا هو خيال مستحيل.بل هو استحقاق وطني واجب على جيل يملك كافة مقومات النجاح والتميز والعبور.. فهل نمضي سويا في طريق الإنتاج والعمل بصمت وثبات حتى نبلغ المبتغى ونحقق الحلم المنشود؟ المؤشرات الواعية تقول نعم بكل إصرار والإجابة الحقيقية والنهائية تكمن حصرا في أفعالنا على الأرض لا في مجرد أقوالنا وشعاراتنا الرنانة.
جريدة الاخبارية سياسية::شاملة::مستقلة
