مؤمن الهبـاء يكتب.. تراث الصوفية



لست صوفيا ، لكنى أحب الصوفية الحقة التى أخذت إسمها من الزهد ولبس الصوف الخشن ، أو من صفاء الروح وتصفية القلب ، وأقرأ كثيرا فى التراث الفكرى والشعرى للصوفية ، أعتبره محطة للراحة النفسية والرياضة الروحية ، ولا أجد حرجا أو تناقضا فى أن أكون مشتبكا مع قضايا عصرى بكل تنويعاتها وتعقيداتها والاستمتاع بالتراث الصوفى القويم غير المبتدع ، وفى يقينى أن هذا التراث استطاع خلال القرون السابقة أن يقيم بناء فكريا متكاملا ومتميزا عن أبنية فكرية أخرى أقامتها مدارس ومذاهب عديدة تنتمى كلها إلى الإسلام ، أبنية تتداخل وتتساند ولا تتنافر ، وكلما زادت درجة الوعى وارتفع المستوى الثقافى وحسنت النيات اتسعت دائرة التلاقى بين هذه الأبنية الفكرية ، وسقطت الفواصل القائمة بينها ، وصار الجمع والتوفيق والتقريب بينها سهلا ميسورا ، ” وكلهم من رسول الله ملتمس ..غرفا من البحر أو رشفا من الديم “.
والذين يروجون اليوم للصوفية على أنها يمكن أن تشكل تيارا متساهلا تجاه الشريعة والعبادات والأحكام الشرعية واهمون ، أو جاهلون بحقيقة التصوف ، يظنونه محصورا فى لزوم الأضرحة وموالد الأولياء وحلقات الذكر والتفرغ للوجد والهيام ، بينما التصوف الحق عودة إلى الأصول الرائقة للدين ، فلا يكون الصوفى صوفيا حتى يكون الأكثر التزاما بما فى كتاب الله من عقيدة وشريعة وعبادات ومعاملات وأخلاق ، ثم يتدرج فى معارج المعرفة حتى يبلغ الذروة ، وحينئذ يلزم نفسه فوق مايلزم العامة .
التصوف الحق لايعنى الانفلات من الشريعة أو التهاون فى أداء فرائض العبادة كما يفعل بعض المدعين ، والأصل أن التصوف طريق يبدأ من حيث تنتهى الشريعة ، وبغير الشريعة والحقيقة يكون الإنسان قد تزندق ، وهذه نقطة مهمة توقف عندها العارفون فقالوا : ” من لاشريعة له لاتصوف له ” ، والزهد الصوفى يعنى التعالى على مفاتن الدنيا وإغراءاتها ، لكنه لايعنى الانسحاب من الحياة وتغييب العقل والإغراق فى الباطن والجوانيات واللهو على غير هدى والإعراض عن قضايا الأمة ومصالح البلاد والعباد .
يقول أبو تراب التخبشى : الصوفى لايكدره شيء ويصفو به كل شيء ” ، نعم هذا صحيح ، وصحيح أيضا أن تراث الصوفية حافل بالأبطال الذين شاركوا فى الجهاد ضد الحملات الصليبية ، وأشهر شاهد على ذلك ماعرف عن السيد أحمد البدوى من جلب الأسرى الأعداء واستقبال الناس له بهتاف ” الله الله يابدوى جاب اليسرى ” ، ومعروف أن قلب الهمزة ياء من لغة العرب .
يقيم الصوفية مذهبهم على الحب والتواضع ، فهم يرون أن الحب هو السر وراء خلق الأكوان والإنسان ، الله أحبنا قبل أن نحبه ، وذكرنا قبل أن نذكره ، وعرفنا قبل أن نعرفه ، وطلبنا قبل أن نطلبه ، وأعطانا قبل أن نسأله ، ولولا هذا الحب الإلهى الذى يشيع فى الكون كله ، وهذا العطاء والكرم الربانى ، ماكان هناك وجود ولا عوالم ولا بشر ولا خلائق ، لقد خلقنا الله وهو المستغنى عنا لأنه يحبنا ، ما يعنى أن الحب بدأ أولا من الله قبل أن يبدأ منا ، وهذا الحب القديم يستوجب منا أن نرتفع لمستوى الموقف ن ونتعلم عشق الحق .
يقول جلال الدين الرومى : ” كل ما أقوله عن شرح العشق أخجل منه عندما أواجه العشق ذاته … وإذا كانت حركة اللسان تضيء الطريق أمام معرفة الحقيقة فإن العشق الصامت أبلغ من كل بيان … فبينما القلم مندفع فى الكتابة إذا به ينشق على نفسه حين جاء إلى العشق ” ، ويقول أيضا : إن الروح التى ليس شعارها الحب الحقيقى من الخير ألا توجد ، لأن وجودها ليس سوى عار ، كن ثملا بالحب فإن الوجود كله محبة ، وبدون التعامل مع الحب فلا سبيل إلى الحبيب ” .
ولا يكون الصوفي صوفيا إلا إذا تواضع تواضعا لايكاد يرى نفسه فيه شيئا مذكورا ، تواضع الخاطئين أمثالنا حسنة ، لكنه عند الصوفية غرور ، وعند المقربين ذنب كبير، وكل شيء فى الدنيا نسبى كما نعلم ، ويقال فى الأثر : ” حسنات الأبرار سيئات المقربين ” .
قال الجنيد : ” التواضع عند أهل التوحيد تكبر ” ، قيل له : لماذا ياسيدى ؟ ، قال : لأن المتواضع يرى نفسه أولا لكى يتواضع ، وهو يثبت نفسه ثم يتواضع بها ، أما الموحد الحقيقى فلا يرى نفسه لكى يضعها أو يرفعها ” ، المتواضع الحقيقى تذهب نفسه حين يشهد ربه ، أو كما قال ذو النون المصرى : ” من نظر إلى سلطان الله لم ير سلطانا لنفسه ، ولم ير نفسه “.

الدنيا عند أهل التصوف ليست دار قرار ، وإنما رحلة تبدأ وتنتهى بقدر الله ، رحلة لاتخلو من أحزان وعذابات ومعاناة ، ويشرح جلال الدين الرومى تفسير هذه المعاناة والآلام بقصة المرأة التى وضعت البقول فى القدر فراحت تتواثب من ألم النار ، فقالت المرأة للبقول : ” إننى أغليك بالنار لا لأنى أكرهك ، ولكن لأنى أريد أن أجعلك سائغة الطعم ، فتصبحين بذلك غذاء يختلط بروح الحياة ، مثل هذا العذاب لايهبط بك ، لقد فصلت عن بستان الأرض وستصبحين طعاما يدخل جسم الحى ، بفعل هذه النار ستتحولين من عصارة نباتية إلى فكر حى ، كنت جزءا من السحاب والشمس والكواكب ، والآن تصبحين نفسا وحركة وحديثا وفكرا “.

شاهد أيضاً

محمود دياب يكتب.. “كاري أون”.. نقلة عصرية وشروط نجاحها

 من المشروعات المميزة التي انطلقت في الفترة الأخيرة لخدمة المواطنين في مجال السلع الغذائية هو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *