مدبولي عتمان يكتب.. الحقوق الضائعة ‏

‏ ‏

تزايدت الاستغاثات عبر وسائل التواصل الإجتماعي تطالب بحقوق ‏المظلومين. استغاثة تطالب بحق شهيد ” لقمة العيش” الذي دهسه ‏سائق مستهتر يسير بسرعة متهورة وهرب ، وهناك الالاف من ‏الحالات المتشابهة . واستغاثة ثانية تطالب بحق شهيد الشهامة ( وما ‏اقلهم في زماننا ) الذي فقد حياته بطعنات شباب مستهترين بعد أن ‏تدخل لحماية فتاة لا يعرفها من عبثهم ، واستغاثة ثالثة تطالب بحق ‏شاب يعيش في حي شعبي دفع حياته ذبحا أمام أسرته لأنه تجرأ ‏وتصدى لمجموعة من البلطجية ترهب كل أهالي الحي وترهقهم ‏بالاتاوات دون أن تحرك من الأجهزة المعنية لحمايتهم .‏

‏ واستغاثة أخرى من فتيات بريئات يطالبن بحقوقهن بعد تعرضهن ‏لاستغلال بعض الذئاب البشرية عبر مواقع التواصل الاجتماعي مما ‏أدى لتشويه سمعتهن .واستغاثات تكشف الخلل المجتمعي تطالب ‏بحقوق بنات صغيرات قتلن على يد الجارة طمعا في حلق ذهبي لا ‏يتعدى ثمنه مئات الجنيهات ، أو قتلن على يد ابن الجيران بعد هتك ‏عرضهن، وذلك بعد أصبح معظم الجيران لا يأمنون جارهم بسبب ‏البعد عن تعاليم الدين الحنيف وتجاهلنا العمل بالأحاديث النبوية ‏الشريفة فعن أَبي هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم :” والله لا ‏يُؤْمن والله لا يُؤْمن والله لا يُؤْمن ” قيل من يا رسول الله قال: من لا ‏يأْمَنْ جاره بوائقه ” متفق عليه .‏

وفي روايةٍ لمسلمٍ: لا يَدْخُلُ الجنَّة مَنْ لا يأْمَنُ جارُهُ بوَائِقَهُ”. ‏‎ ‎

وحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “ما زال جبريل يوصيني ‏بالجار، حتى ظننت أنه سيورِّثه ” رواية السيدة عائشة رضي الله عنها ‏وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما .‏

‏ واستغاثات مملوءة بصرخات سيدات مطلقات واطفالهن يلهثون منذ ‏سنوات لتنفيذ أحكام قضائية صدرت بحقوقهن.‏

ما ذكرته مجرد نماذج من واقع يئن بملايين الاستغاثات من رجال ‏ونساء وأطفال ، من شباب وشيوخ ، من أفراد ومؤسسات وهيئات ‏كلها تطالب بحقوق ضائعة بسبب تأخر صدور الأحكام القضائية أو ‏من تأخر تنفيذ الأحكام لسنوات بعد صدورها.  ‏

وحتى نكون منصفين لا تتحمل إجراءات المنظومة القضائية الرسمية ‏وحدها مسئولية هذه الأزمة . فهناك سلوكيات مجتمعية وفساد الذمم ‏لبعض المحامين وبعض الموظفين تعرقل مسار التقاضي وتعطل تنفيذ ‏الأحكام . فمثلا تنفيذ الأحكام يوكل إلى قسم أو مركز الشرطة وتقع ‏في النهاية على مسئولية مخبر الحي أوالمنطقة الذي يتقاعس بدورة ‏في البحث عن الشخص المطلوب واذا وجده يحدث ما نعرفه جميعا ‏‏(يأخد اللي فيه النصيب)  ليعود الى مقر عمله ويسجل العبارة ‏المعروفة ” المطلوب غير موجود في محل اقامته ” . وأعلم هارب ‏من حكم بالسجن لمدة عام في قضية تبديد ويسير “عيانا بيانا ” ليلا ‏ونهارا في حماية أحد أقربائه يعمل أمين شرطة رغم احاطة ضباط ‏بمركز الشرطة  المعني بتنفيذ الحكم ، وهكذا حتى يسقط الحكم ‏ويضيع الحق .‏

ويؤكد الخبير القانونى المتخصص فى الشأن الأسرى رمضان عويس ‏أن بعض المحامين والموظفين الإداريين والمحضرين أول من يشارك ‏فى تعطيل تنفيذ الأحكام . وقال في تحقيق صحفي نشرته صحيفة ‏صوت الأمة :” ينصح بعض المحامى موكله – على سبيل المثال لا ‏الحصر – بقول أن منقولات الزوجية التى أمرت المحكمة بالحجز ‏عليها ليست ملكه أو يقوم بتغير محل الإقامة أو السفر أو غلق شقة ‏الزوجية أو تأجيرها، وذلك بالتواطؤ مع أحد أفراد القسم التابع له ‏والمحضرين القائمين على التنفيذ حيث يبلغونه قبل موعد التنفيذ”.‏

واضاف الخبير عويس قائلا بكل وضوح : ” عملية الرشاوى تسيطر ‏بشكل كبير على عملية تنفيذ أحكام محكمة الأسرة لعدم تنفيذها من ‏خلال عدم القيام بالإبلاغ أو يكتب الموظف أنه لم يستدل على ‏الشخص أو العنوان”. ‏

والحقيقة ان معوقات تنفيذ أحكام محكمة الأسرة  ينطبق على تنفيذ ‏غالبية الأحكام القضائية . وهكذا تهتز منظومة العادلة في المجتمع ‏المصري بسبب عدم تنفيذ 10 ملايين حكم قضائي . وهذا الرقم ‏الخطير ذكرته جريدة الاهرام قبل قرابة 6 سنوات ونشرت تحقيقا ‏صحفيا مطولا في 24 يناير 2016 بعنوان : (بعد أن وصل العدد لـ ‏‏10 ملايين.. تنفيذ “الأحكام” حلم يمكن تحقيقه؟ ). وأعتقد أن الواقع ‏يشير أن هذا الرقم يتزايد مع تزايد المشاكل في المجتمع وتزايد اللجوء ‏الى المحاكم في غياب مجالس الصلح العرفية التي كانت تحل الكثير ‏من المشاكل بعيدا عن ساحة القضاء ، وتراجع تاثيرها حاليا بسبب ‏الخلل الذي أصاب القيم المجتمعية، وأهمها القيمة الذهبية وهي ‏‏”احترام الصغير للكبير وعطف الصغير على الكبير “.‏

والحل العملي والسريع طرحه كثيرون ويتمثل في إنشاء الشرطة ‏القضائية . وأتفق تماما مع الرؤية التي طرحها المستشار أحمد ‏عاشور رمضان بهيئة قضايا الدولة في جريدة الاهرام يوم 18 ‏مارس  2016 وقال فيها : “وقد أضحت إشكالية تنفيذ هذه الأحكام ‏معوقا للعدالة فى النظام ‏القضائى المصرى والعربى ، لذلك أقترح ‏انشاء جهاز الشرطة ‏القضائية وأن تكون تبعيته الإدارية لوزير العدل ‏ورؤساء المحاكم ‏الابتدائية بالمحافظات ، بحيث يعمل بالتوازى مع ‏الشرطة العادية غير ‏أنه متخصص فى آلية التعامل مع معوقات تنفيذ ‏الأحكام القضائية ‏وسرعة تنفيذها ، كما أنه يتلقى أوامره مباشرة من ‏الجهاز القضائى ‏التابع له ويتعامل مع منظومة متكاملة تحوى قاعدة ‏بيانات كاملة ‏ومتجددة باستمرار للأحكام النهائية واجبة النفاذ”.‏

وركز المستشار المستشار احمد عاشورعلى نقطة حيوية جدا تتعلق ‏بالتوعية المجتمعية بأهمية تنفيذ الأحكام فقال: “يجب أن يقترن ‏إنشاء ‏جهاز الشرطة القضائية أيضا بتغيير ثقافة أبناء الشعب من خلال ‏وسائل الإعلام والتربية ‏الثقافية على ضرورة احترام سيادة القانون ‏وأن تنفيذ الأحكام يعد ‏دليلا على احترام الحقوق والحريات داخل ‏المجتمع” .‏

Aboalaa_n@yahoo.com

شاهد أيضاً

وجيه الصقار يكتب .. المدينة الجامعية لعبة المنتفعين !

كل عام يفاجأ الطلاب القدامى والجدد بالجامعات بمشكلة أزلية من رفع شعار بدء صيانة مبانى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *