بصرف النظر عن المبالغات الواردة فى حديث الدكتورة باكيناز زيدان، الأستاذة بكلية الهندسة جامعة طنطا، عن زوجها، وهى مبالغات لا تخص ولا تلزم غيرها، فإن أحدا من المؤيدين لكلامها أو المعترضين عليه لم يسأل سؤالا مهما : ماذا فعل الرجل / الزوج / ليجعل هذه السيدة المبجلة تقف منه هذا الموقف العظيم، وتجاهر بالتعبير عن حبها وتقديرها له بعبارات تأنف منها الجاهلات المترفعات بجهلهن ؟!
كثيرون اندهشوا وهم يقرأون قول الدكتورة باكيناز : ” أنا أستاذة جامعية مرموقة، معتدلة ومستنيرة، ولا يخجلنى أن أعترف علنا عن محبة واقتناع أن التراب اللى بينزل من جزمة زوجى على دماغى من فوق، وأنى من غيره مااسواش قشرة بصلة، مش بصلة بحالها، وأنى مااقدرش أكسر كلامه، حبا وإذعانا فى حضوره أوفى غيبته، كزوجة مسلمة، مطالبة بطاعة الزوج، عمرى ما تعاملت معه بندية، ولا أرهقته بمطالب مادية، ولا تخيلت حياتى لحظة واحدة من غيره رغم شخصيتى القوية، وعمرى ما كنت مهتمة بقضايا المساواة بين الرجل والمرأة، مش بس كدة، أنا قبل ما ادخل شقتى باخلع كل الألقاب والشهادات وبابقى جوة البيت الست أمينة وهو سى السيد، بكل رضا ومحبة، يارب يكون راضيا عنى فعلا، ويكون رضاه سببا فى دخولى الجنة “.
هذا البيان القوى، البليغ بصدقه وبساطته، جاء فى سياق الجدل الواسع على مدى الأسبوع الماضى حول منشور كتبته دكتورة متخصصة فى الحديث عن العلاقات الزوجية قالت فيه : ” ليس هناك سند شرعى أو قانونى يجبر المرأة على الالتزام بالطهى لزوجها دون مشاركة وتبادل للأدوار، ومافيش حاجة تقول الست تطبخ والراجل لأ ، فيه سيدات يشترطن على الرجال يعملوا زيهم تمام “.
ولأننا أهل كلام فقد انطلقت التعليقات على منشور دكتورة العلاقات الزوجية فى وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعى بين مؤيد ومعارض، حتى صارت هذه قضيتنا الأولى، بينما اختفت قضايانا الحقيقية من الداكرة الجمعية، وهنا جاء منشور الدكتورة باكيناز ليرد الأمور إلى نصابها، ويذكرنا بما نسينا، فالحياة الأسرية الصحيحة قائمة على تكامل الأدوار بين زوجين اجتمعا على المودة والرحمة، لا على الندية والتنافس، ومازال السجال مستمرا، وما زالت قضايانا الحقيقية غائبة، أو مغيبة عن قصد .
شخصيا، لم أكن راغبا الانخراط فى هذا الجدل العقيم، الذى لا طائل منه، لكننى لم أستطع أن أمنع نفسى من هذا السؤال الذى طرحته فى البداية : ترى، ماذا فعل الرجل، زوج الدكتورة باكيناز المبجلة، ليحظى عندها بهذه المكانة الرفيعة، التى هى بحق خير متاع الدنيا عند الرجال الأسوياء ؟!
يقينا، هذا الرجل العظيم، الذى لم نتشرف بمعرفة اسمه، نجح فى أن يقدم للدكتورة باكيناز نموذج الزوج المثالى، الذى يتقى الله فيها، ويهتدى فى تعامله معها بشرع الله وسنة النبى الأكرم، صلى الله عليه وسلم، فأحسن معاشرتها اقتداء بـقول الله تعالى : ” وعاشروهن بالمعروف “، وأجزل لها العطاء المادى والمعنوى اقتداء بـقوله تعالى :” لينفق ذو سعة من سعته “، ولم يبخل عليها ويتركها فى شقاء اقتداء بـ ” ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن “، والتزم بوصايا الرسول فى الإحسان إلى الزوجة ” خيركم خيركم لأهله “، وإكرامها وعدم إهانتها ” ما أكرمهن إلا كريم، وما أهانهن إلا لئيم “، والتعامل معها بالصبر والرفق واللين ” رفقا بالقوارير ” .
وإذا كان بعض الرجال قد أغبط زوج الدكتورة باكيناز على مابدا من مبالغتها فى طاعته وامتداحه، فأنا ممن يغبطون الدكتورة الفاضلة بأن رزقها الله تعالى رجلا مكتمل الرجولة، جعلها ملكة فى بيتها، وقدم لها وافر الاحترام فكان جديرا باحترامها وتقديرها، احترمها كإنسانة راقية، صاحبة عقل راجح رشيد، واحترم إرادتها، وبسط لها رداء الرحمة والعطف تحت جنبيها .
ليس المهم من بدأ بالمعروف من الزوجين حتى جعل الطرف الآخر سعيدا، فإن من أتم الرزق على الإنسان هذا التوفيق من الله، من أنعم عليه الله بتوفيقه فقد رزقه خيرا كثيرا، وقديما قالت المرأة العربية الحكيمة لابنتها ليلة عرسها : ” كونى له أمة يكن لك عبدا “، أى أن طاعتك له والقيام على خدمته سترتد إليك مباشرة فى طاعته لك والقيام على خدمتك .
هذا الفهم الواقعى للحياة الأسرية، ولنزعات النفس البشرية، لم يدركه ـ للأسف ـ كثيرون من الرجال والنساء الذين تحللوا من تعاليم دينهم، وتعالواعلى تراثهم، وارتضوا لأنفسهم التبعية العقلية للتراث الغربى، ظنا أنهم بذلك قد أصبحوا متمدينين، فما أورثتهم هذه التبعية إلا معيشة ضنكا، ليس فيها غير صراعات وطلاق وخلع وتشتيت للشمل، فانتهوا إلى فشل كبير لم يذوقوا فيه طعم السعادة وراحة البال .
لو اطلعت على حياة معظم هؤلاء المتمردين على شرع الله وعلى التراث لرأيت فيها اعوجاجا كبيرا، وما وجدت فى شعاراتهم وتصريحاتهم إلا محاولات للتغطية على الخيبات التى أصابتهم، وما وجدت فى أحاديث القوة الذاتية التى يتباهون بها إلا محاولة لتعويض الضعف والاستسلام للقهر، فالمذيعة القوية العنيدة حياتها خربة وشخصيتها مدمرة، والمذيع ” الجنتل ” ضعيف منقاد فى بيته، لايملك من أمر نفسه شيئا، والفنان المدافع عن حقوق المرأة مزواج سليط اللسان بخيل، لايتورع عن ابتزاز زوجاته وعشيقاته وضربهن وشتمهن بأحط الألفاظ، والفنانة ” المسيطرة ” مكسورة مسكينة، لم يصمد زواجها أكثر 6 شهور .










