قلوب المسلمين في العالم اجمع معلقة بالبيت الحرام ..سواء من اكرمهم الله تعالى بالتوجهه الى الاراضي المقدسة ملبين مهللين .. لبيك اللهم لبيك ..او من اعلنوا النية بقلوبهم الى ان يأذن الله لهم بدعوة وحين ميسرة..
ورغم هالات النور والاجواء الروحانية التى تعكس حبا وتقديرا واجلالا لهذا الركن الاعظم – الحج – الا انك ترى وتسمع بعض الاصوات التي تنبئ ان كثيرين حتى من بين المثقفين لم يعرف او يعي حقيقة عبادة الحج وان هناك قصورا في ادراك حقيقة المقاصد الشرعية للعبادات عموما الى جانب الالتزام بادائها وتحمل اعبائها مهما كانت..
والحقيقة ان ما يثار في الاونة الاخيرة من فتاوى عن الحج والشعائر العظيمة حوله..يكشف عن ضحالة في الثقافة والمعرفة والاهم عن تأثيرات ضارة لتيارات فكرية معينة يزعجها الالتزام الديني او بمعنى اخر هي تتعيش باثارة الغبار على الساحة حتى لاتفه الاسباب وهم يحسبون انهم يحسنون صنعا..ومن بين هؤلاء يمكن التمييز بين صنفين رئيسيين:
الاول :الكارهون للدين صراحة ولا يريدون للدين أي وجود في حياة البشر..
الثاني: من سقطوا في غواية العلمانيين والمتعالمين واشباه الغلماء والمفتين..
وفي هذا الخضم تسمع كلاما عجبا وبعض فتاويهم اقرب الي الهلاوس والخزعبلات وكلها كاشفة بصدق عما وراء الاكمة وحقيقة الاهداف التى يسعون اليها ان عاجلا او اجلا..
بعضهم يتحدث عن الحج ولماذا لا يكون اكثر من مرة في العام بدلا من الزحام الكبير مع كثرة عدد المسلمين والانتشار الكبير للاسلام في قارات الدنيا .. وهؤلاء ينشطون حينا ويضربهم النوم احايين اخرى حتى يتم استدعاؤهم ثانية وثالثة لاثارة الفتنة والبلبلة.. وهناك المتمسحون بحقوق الحيوان وهؤلاء مشغولون مهووسون بالاضاحي الشعيرة المميزة في الحج ..هؤلاء يريدون فقط تعطيل الشعيرة ومنعها باي وسيلة وتحت اي راية..
والعاجزون عن مواجهة الدين والنيل من اركانه يتخذون من بند تعطيل الشعائر اوالاساءة اليها متكئا ومنطلقا لتحقق مآربهم الخبيثة العلنية او الدفينة.. وهؤلاء بالمناسبة لا يتوقفون عند الحج وشعائره فقط ولكن يمتد نشاط سعارهم الى الصلوات الخمس والى الزكاة والصدقات وغيرها ويشيعون بان الالتزام بالصلوات في وقتها يكون مضيعة للوقت وتعطيلا لمصالح الناس وانه يمكن تاخير الصلوات وجمعها وتأديتها في اي وقت يسمح بذلك وانه لا داعي للقيام لصلاة الفجر طالما ان مواعيد العمل والقيام له لا تتوافق مع ذلك وكأن المسالة مزاجية لمن يحب ويكره..واشياء اخرى من هذا القبيل..
كذلك مع الحج يرددون ماهو اكثر مثل الدعوة التى اطلقها بعضهم بتعطيل شعيرة الاضحية هذا العام ومقاطعتها ودعوا صراحة الى الامتناع غن ذبح الاضاحي متوهمين انهم بذلك يواجهون جشع الجزارين وغلاء اسعار اللحوم .. الامر الذي يكشف حقيقة عن جهلهم المطبق عن الاضاحي ومقاصدها الشرعية مع ان المعاني واضحة بلا لبس في سورة الحج يقول تعالى :” ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ (32) لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (33) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِّيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۗ فَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا ۗ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (35) وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُم مِّن شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ ۖ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ ۖ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (36) لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ ۚ كَذَٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ ۗ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (37)”
قال العلماء في معنى ( وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ ): القانع: المسكين, والمعترّ: الذي يعتر القوم للحمهم وليس بمسكين ولا تكون له ذبيحة يجيء إلى القوم من أجل لحمهم.. والبائس الفقير: هو القانع.
وينسى هؤلاء المرجفون رغم ادعاءاتهم المزيفة بدعم الفقراء واصحاب الحاجة – ان كثيرا من الناس تنتظر لحوم الاضاحي من العام الى العام بل ان بعضهم لا تتاح له فرصة اكل لحم حقيقي الا في عيد الاضحى..وقد حدثني بعض من لا اشك في صدق حديثهم انهم فكروا ذات مرة ان يستبدلوا الاضحية بتوزيع نقود مكانها على من كانوا ياخذون اللحم.. ويؤدوا الشعيرة بخروف او غيره فوجدوا اعراضا شديدا بل وسخطا وكاد بعضهم الا ياخذ النقود .. فقرر الا يعودوا للفكرة ثانية..
ويحتج البعض ان منع الاضاحي على الاقل هذا العام يقاوم جشع الجزارين ..ولو فكروا قليلا لعرفوا ان الاضاحي هي التى تقاوم بل انها افضل عقاب للجزارين الذين لا يستفيدون الا باجرة الذبح ان حصلوا على فرصة..
ومن الامور الاكثر اثارة للجدل ما يطرح على هذا الصعيد حول تكرار الحج والعمرة وكراهية او حرمة ذلك ..والأخطر في القضية أن تجد سهولة في التعرض للأمور الشرعية والتطاول على العبادات والشعائر بكل بحاجة ووقاحة أو عدم اكتراث..
وحتى لايسيئ البعض فهم كلامي فانا من انصار فقه الاولويات وضرورة تطبيقه في كل شئون حياتنا وليس فقط الدينية..وهنا يجب الانتباه الى حقيقة الدعوات وما اذا كانت خالصة لوجه الله وتبغي حقا المصلحة العامة والشرعية ايضا ام انها ضمن قاعدة: كلام حق يراد به باطل..
ورفع شعارات من قبيل: هناك ماهو افضل من تكرار الحج والعمرة..وطوفوا على الفقراء ستجدون الله عندهم وليس عند الكعبة..وتكثر الاسئلة على هذا المنوال عندما ياتي الحج. وانا اعتبر هذا الكلام من الاسئلة المفخخة التى تستهدف حقيقة الشعائر الدينية والتى تريد ان تنال منها او تقلل منها في افهام المسلمين وخاصة الشباب..
الحقيقة ان العلماء المخلصين تنبهوا الى الامر وما فيه من الغام .. بل وحتى قبل ان يطرح هؤلاء اقاويلهم.. فقد شهدنا فتاوى تحث على عدم تكرار الحج والعمرة لافساح المجال للمسلمين الذين لم يؤدوا الفريضة لاول مرة ويكتفي لمن اراد النافلة ان يؤديها كل خمس مرات..
بعض العلماء افتوا بحسن نية بافضلية العمل الخيري عن تكرار العمرة والحج طالما ادى المسلم الفريضة دون تحوط .وقالوا :لا مانع شرعًا من تكرار الحج أو العمرة والتكرار تطوعًا وليس فرضا لكن الأولى أن يقدم مصالح وحاجات إخوانه المسلمين المعدمين الذين هم في مسيس الحاجة إلى ما يؤويهم وما يستعينون به على قضاء حوائجهم الضرورية عند التطوع.
في الجهة المقابلة قال بعض العلماء ان مقولة طوفوا على الفقراء واشباهها جمعت حقا وباطلا. أمّا الحق ففي قوله ” طوفوا حول الفقراء فحتما ستجدون الله عند كل فقير” : فغالب الظن أن صاحب المقالة يقصد أن رضا الله ومحبته متحققة بمواساة الفقراء وسدّ حاجاتهم ومواساتهم .ولا شك أن التصدق على المحتاجين من الأعمال المقربة إلى الله تعالى والتي ينال بها رضاه.
وأما المعنى الباطل فإن هذه المقالة صيغت على وجه يوبّخ من يتزود من الأعمال الفاضلة التي رغّب الشرع في تكرارها من عمرة وحج.كما جاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: العُمْرَةُ إِلَى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا وَالحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةُ”رواه البخاري ومسلم..
ونعلم جميعا من الواقع المعيش أن حاجة المحتاجين لم يتأخر سدّها بسبب تكرار الصالحين للحج والعمرة فهؤلاء المكررون تعدادهم ليس بالكبير في أمة الإسلام لكن حاجة المحتاجين لم تقض بسبب الإسراف الحاصل من عشرات الملايين من المسلمين فكم من مليون سائح من المسلمين يكرر سياحته كل عام داخل بلاده وخارجها وكم من مسرف لأمواله في الملاهي وكم من مسرف لأمواله على المتاع الزائد الذي يتجاوز الحاجة ويخرج إلى حدّ التبذير والإسراف!!
فالمراد : أنه قبل أن نأمر الناس بترك نوافل الطاعات لأجل توفير المال لمساعدة المحتاجين نحثهم أولا على قبض أيديهم عن إسراف الأموال على المحرمات والمكروهات والتوسع في المباحات.
وهذا لا يعارض أنّه ينبغي على المسلم أن يوازن بين الطاعات فيقدم أكثرها مصلحة لا سيما عند عموم الحاجة وقلة النفقات أو زيادة ضرورة الناس فإذا رأى المسلم محتاجين يُعرِض الناس عن التصدق عليهم ولا يواسونهم فلا شك أن الأفضل في هذه الحال أن يتصدق عليهم بنفقة حج أو عمرة التطوع كما نص على ذلك أهل العلم.” والحج على الوجه المشروع أفضل من الصدقة التي ليست واجبة.وأما إن كان له أقارب محاويج : فالصدقة عليهم أفضل.وكذلك إن كان هناك قوم مضطرون إلى نفقته .
فأما إذا كان كلاهما تطوعا: فالحج أفضل لأنه عبادة بدنية مالية .
**عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: تَابِعُوا بَيْنَ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ، فَإِنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الفَقْرَ وَالذُّنُوبَ كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ، وَالذَّهَبِ، وَالفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ المَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إِلَّا الجَنَّةُ .
** عن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “الغازي في سبيل الله، والحاج، والمعتمر، وفد الله، دعاهم فأجابوه، وسألوه فأعطاهم”.
اللهم ارزقنا حج بيتك الحرام واجعلنا من الطائفين والعاكفين الركع السجود..
والله المستعان ..
megahedkh@hotmail.com










