يشكل “يوم الأرض” معلماً بارزاً في التاريخ النضالي للشعب الفلسطيني باعتباره اليوم الذي أعلن فيه الفلسطينيون تمسكهم بأرض آبائهم وأجدادهم، وتشبثهم بهويتهم الوطنية والقومية وحقهم في الدفاع عن وجودهم رغم عمليات القتل والإرهاب والتنكيل التي كانت ـ وما زالت ـ تمارسها السلطات الصهيونية بحق الشعب الفلسطيني بهدف إبعاده عن أرضه ووطنه.
يوم الأرض في هذه السنة يأتي والعدو الصهيوني يواصل عملياته الإرهابية ضد الفلسطينيين من قتل وقصف وتدمير واعتقال وحصار، على الرغم من حالة التهدئة التي أعلنتها مؤخراً فصائل المقاومة الفلسطينية، في إشارة شديدة الوضوح إلى طبيعة هذا العدو الصهيوني الدموية، والذي استمد مبرر وجوده من قتل الفلسطينيين والاستيلاء على أراضيهم.
خلال 51 يوما من المجزرة، كان من يبحث عن مبررات للعدوان الصهيوني يقول إن الإسرائيليين ليسوا في غزة، متناسيا أن سكان القطاع محاصرون من جميع الجهات. لكن الصحيح، أن الإسرائيليين خرجوا من غزة بأجسادهم، لكنهم موجودون فيها في كل لحظة وفي كل مناشط الحياة اليومية، وقد بدا الآن أيضا أنهم قبلوا الشروط المذكورة.
لكن بأي طريقة تثبت إسرائيل وجودها هناك؟ إنها بفرض السيطرة الكاملة جوا وبحرا وأرضا، ووضع أيديها على المياه الصالحة للشرب وعلى الكهرباء وترددات الاتصالات، وأيضا ما يخص الاقتصاد من مدخلات ومخرجات، بل إنهم يتحكمون حتى بدخول المساعدات الإنسانية.
أما الحدود فمعظمها غير متاح للدخول أو الخروج من وإلى غزة، ولا يسمح لأي كان بالعبور. ما زلنا فاقدي الأمل بأهداف الصهيونية المزعومة للسلام، حتى وإن تضمنت المفاوضات قبول الإسرائيليين أنفسهم بإعادة إعمار غزة المهدمة.
لنسترجع ذاكرتنا.. في أغسطس/آب 2005 حين أمر (رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل) آرييل شارون بإجلاء المستوطنين اليهود عن قطاع غزة، ظن حينها كثير من الناس في العالم أجمع أن ذلك سيكون بداية مفاوضات جدية من أجل السلام. كان لدينا أمل بأن يكون الأمر فعلا كذلك، رغم أن التطويق والحصار لم يتوقفا، ورغم أننا نعرف أن كل احتلال يولّد العنف حتما. كان يلزمنا ثلاث سنوات لنغير ما اعتقدناه، وأكرر ذلك، حين ظهر لنا أن الهدف من ذلك الإجلاء كان التمكُّن من تطويق غزة بشكل تام، دون أن يلحق بالمستوطنين أي مكروه، فارتكبت المجزرة المسماة “عملية الرصاص المصبوب” التي خلفت 1400 شهيد فلسطيني بنسبة أقل من العملية الأخيرة “الجرف الصامد” التي تركت أكثر من ألفي شهيد. “
نتنياهو يصر على محاولة إقناعنا بأن الاحتلال سينتهي حين يحل السلام، وهذا يعني تماما سنتوقف عن سحقكم حين تتوقفون عن التذمر من أفعالنا. لكن جملة نتنياهو هذه محض هراء وكذبة متعمدة، لأن السلام يمكن أن يبدأ فقط من اللحظة التي ينتهي بها الاحتلال”تاريخ إسرائيل نفسه والآليات المستخدمة من أجل إقامة دولتها تجعلنا نشك في أن الصهيونية لم تغير نواياها قيد أنملة، وهي السيطرة على كل فلسطين وإخضاع أهلها من السكان الأصليين الذي يرغبون في البقاء بها أو طردهم بشكل نهائي. “هنا لا يوجد مكان لشعبين” كانت تلك من البداية عبارات قادتهم، مثل دافيد بن غوريون الذي لم ير “أي شيء غير أخلاقي في طرد الفلسطينيين”.
ولو نظرنا إلى الاتفاقيات المتعاقبة بين ممثلي الشعبين، نجد دوما (باستثناء المفوضات مع إسحق رابين الذي اغتيل في النهاية من قبل يهودي) أن إسرائيل توقف جميع محاولات السلام. وتعتبر الأرض الفلسطينية الركيزة الأولى لإنجاح المشروع الصهيوني كما أشارت الأدبيات الصهيونية وخاصة الصادرة عن المؤتمر الصهيوني الأول في بال بسويسرا عام 1897م ، ومنذ نشوئه دأب الكيان العنصري الصهيوني على ممارسة سياسة تهويد الأرض العربية واقتلاع الفلسطينيين من أرضهم التي انغرسوا فيها منذ أن وجدت الأرض العربية، وذلك عبر ارتكاب المجازر المروّعة بحق الفلسطينيين، ولم تكتف سلطات الاحتلال الصهيوني بمصادرة أراضي الفلسطينيين الذين أُبعدوا عن أرضهم، بل عملت تباعاً على مصادرة ما تبقى من الأرض التي بقيت بحوزة من ظلوا في أرضهم.
ويمضي الاحتلال في سياسته الاستيطانية, متجاهلا موقف المجتمع الدولي, وضاربا عرض الحائط كافة المواثيق والقوانين الدولية التي تدين ذلك, حيث تعتبر مواصلة سلطات الاحتلال استيطانها للأراضي الفلسطينية المحتلة مخالفا للأعراف والاتفاقيات الدولية خاصة المادة (49) من اتفاقية جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين لعام 1949 التي حظرت على إسرائيل نقل المدنيين إلى المناطق المحتلة. ولعل آخرها كان قطع مجموعة كبيرة من المستوطنين المتطرفين ل 780 شجرة من الأراضي الزراعية الفلسطينية التي تقع ببلدة (الخضر) في مدينة بيت لحم جنوب الضفة الغربية المحتلة, في غضون ثلاثة أيام فقط مطلع شهر مارس الجاري, منها 580 شجرة كرمة, و200 شجرة زيتون معمرة.
وحين استظلت هذه القوى الممتلئة بشهوة الاستيطان بمظلة السلام المزعوم والزائف التي أفرزتها اتفاقية أوسلو في النصف الأول من عقد التسعينيات في القرن الماضي، خلا لها ميدان العمل الاستيطاني مسعور الهجمات، فبدأت تعمل على قدم وساق لتسمين المستوطنات المقامة على أرض الضفة من جهة، وإقامة مستوطنات جديدة على الأرض التي تتم سرقتها من أصحابها الشرعيين، بالسطو تارة والاحتيال تارة أخرى.
وعلى الرغم من تمدد الاستيطان وتعاظمه أفقياً وعمودياً، فقد ظلت المستوطنات الصهيونية ومشاريع الاستيطان التي تقودها وتعمل على تنفيذها القوى المتطرفة في حكومة الاحتلال تختبئ في نهاية المطاف خلف علامة استفهام استنكاري كبيرة تشير إلى أن ما يجري من عمليات سلب ونهب على حساب الفلسطينيين وأرضهم لا يخرج عن طابع السرقة في وضح النهار. من هنا جاء التوجه لحكومة المتطرف الليكودي نتنياهو المتحالف مع من هم أكثر تطرفا، لتشريع الاستيطان إسرائيلياً بوضع قانون يقره نواب الكنيست يبيح السطو على أرض الغير ويحلل سرقتها بفتوى صهيونية جديدة ذات نكهة توراتية لا شك، لا سيما أن حزب الليكود الحاكم كان وما زال يسمي الضفة الغربية الفلسطينية “أرض يهودا والسامرة”.
لقد وجدت القوى الصهيونية الاستيطانية المتطرفة في الدعاية الانتخابية للمرشح الأميركي “ترمب” الذي نجح وأصبح رئيساً للولايات المتحدة فرصة مناسبة لإشعال جذوة الاستيطان، حيث بدا ترمب صديقاً للجرافة الإسرائيلية التي أصبحت عنواناً عالمياً في فلسطين المحتلة لاقتلاع الأشجار ونهب الديار وهدم البيوت وسرقة مئات الدونمات لمزيد من البؤر الاستيطانية وتوسيع المستوطنات المقامة مسبقاً.
ولعل ما شجع هذه القوى الظلامية على التمادي في اعتداءاتها وعزز لديها شهوة افتراس الأرض استعداد ترمب لنقل السفارة الأميركية إلى القدس، اعترافاً منه بأن القدس عاصمة إسرائيل الموحدة.
إن النية لدى حكومة الاحتلال ومن يحيط بها من قوى استيطانية لتشريع الاستيطان من طرف واحد بوضع قانون سلب الأراضي، نقول إن هذه النية موجودة مسبقاً، وربما منذ بناء أول مستوطنة على أول بقعة منهوبة من الأرض، وكلما كانت تظهر هذه النية السوداء وتبرز للعيان فعلاً لا قولاً كانت الأحداث في المنطقة تتوالى وتتسارع، وكانت الرياح تجري بما لا تشتهي السفن الاستيطانية في بحرٍ هادئ أحياناً وهائج متلاطم الأمواج أحياناً أخرى. وأعلن نتنياهو تعيين حاكم عسكري لقطاع غزة لأمد طويل، وصرح بن غفير أن يخطط لبناء كنيس في المسجد الأقصى، وقد كشفت وسائل إعلامية عبرية أن جهات رسمية تعتزم تخصيص مبلغ 540 مليون دولار لتمويل اقتحامات استيطانية منظمة لانتهاك حرمة المسجد الأقصى.
اليوم الكرة في ملعب الفلسطينيين أولا وأخيرا فوحدة الصف الفلسطيني هي الوحيدة الكفيلة بإحباط كل مخططات الصهيونية، لأن الاعتماد على الأنظمة العربية والإسلامية مجرد وهم وسراب، لأن معظمها اليوم مرتبط إما مع أمريكا حليفة إسرائيل التي تدافع عنها وعن جرائمها وتدعمها بالمال والسلاح لاستكمال مخططاتها الاستعمارية، أو مطبع مع دولة الاحتلال واتخذ إما موقف الصمت، أو الوقوف مع ابن العم الصهيوني المحتل والمعتدي والقاتل ضد أخيه.
