الإنسانية رتبة يصل إليها بعض البشر في عصر نادرًا ما نجد فيه من يُجسِّد معانيها. عصرٌ أصبح فيه الإنسان رمزًا للأنانية والجشع، عصر الصورة والفُرجة والتباهي بالمال والولد. عصرٌ غرَّته زينة الحياة الدنيا، فأصبح عبدًا لها، ننفق فيه على مظهرنا الخارجي ونهمل جوهرنا، حتى أصبحت نفوسنا أشبه بالبيوت المهجورة الخربة التي عشَّش فيها العنكبوت.
الإنسانية في مفهومها الواسع هي عكس ما سبق ذكره؛ إنها التجرّد من الصفات الدونية، وعلى رأسها الأنانية. الإنسانية هي إيثار الغير على النفس، أي تفضيل الآخر على الأنا، وهو أمر صعب على معظم البشر.
من منا لا يعرف قصة السائق خالد عبد العال، الإنسان الذي ضحّى بنفسه فداءً لأرواح الناس من حوله؟ لقد غيّر مسار الشاحنة المُحمّلة بأطنان من المواد البترولية المشتعلة بعيدًا عن محطة وقود في مدينة العاشر من رمضان، ومعها غيّر مسار “الأنا” إلى “الآخر”. ضرب لنا مثلًا في معنى الإنسانية والواجب الأخلاقي. هذا الرجل الذي لم يقرأ في فلسفة الأخلاق ولا في “الإكسيولوجيا” – أي علم القيم – أصبح درسًا عمليًا في مبدأ الإيثار.
ونسأل: هل كان يعلم أن روحه ستكون ثمنًا لتحقيق أقل الخسائر الممكنة؟ هل تساءل – ولو لبرهة – عن أسرته قبل أن يبادر بفعله البطولي؟
ذلك هو الفارق بين من يُحرّكه ضميره الأخلاقي، ومن تُحرّكه حبّ الذات والأنانية. ألم نسمع عن سائقيْن مهملين تسبّبوا في إنهاء حياة الآخرين نتيجة إهمالهم وضميرهم المعدوم؟ لكننا هنا أمام مثال يُحتذى به في فلسفة الأخلاق ومبدأ الإيثار. إنه خالد عبد العال، الذي جسّد معاني الإنسانية والواجب الأخلاقي، وعرّض نفسه للموت من دون تردد حفاظًا على حياة الآخرين.
لقد كان – ولا يزال – نموذج الإنسان الذي نادى به الدكتور مصطفى محمود عندما قال:
“كي تكون إنسانًا، قاوم ما تحب، وتحمل ما تكره”.
وهذا ما فعله بطل مقالنا؛ قاوم الأنانية – صفة البشر الدونية – وكان بإمكانه أن يُؤمّن نفسه فقط ويترك الأمور تزداد سوءًا، لكنه قاوم، وتحمل النيران التي التهمت جسده لينقذ الآخرين من خطر أكبر.
يا لحسرة الإنسان الذي يلهث وراء السُّلطة والمال والألقاب الزائفة الزائلة. فحين يموت، يزول كل شيء، عدا الإنسانية. تلك الرتبة العُليا التي تُمنح للقلة القليلة من البشر، وتبقى حتى بعد الوفاة، تُخلِّد الاسم وتُحيي الذكرى مدى الدهر.
بين ورقة خضراء تُسمّى “الميلاد”، وأخرى صفراء تُسمّى “الوفاة”، هكذا نكون. نُحقّق المال، الشهرة، العلم، والذرية الصالحة، ونقضي سنوات طويلة مع تخبطات الحياة ووعورتها لتحقيق بعض من هذه الأشياء. ولكن في المقابل، تفوز الإنسانية. فَرْد فعل إنساني واحد في وقت قصير قد يُخلِّد صاحبه ويُعلي شأنه.
ونختم مقالنا بكلمة خالدة للفيلسوف والطبيب مصطفى محمود:
“قيمة الإنسان هي ما يضيفه إلى الحياة بين ميلاده وموته.”
باحث في الفلسفة المعاصرة










