لا شك أن الدولة المصرية تعيش واحدة من أهم مراحل التحول في تاريخها المعاصر مرحلة تتجاوز الشعارات إلى الفعل وتتخطى حدود الطموح إلى حيز التنفيذ. نحن لا نتابع فقط مؤشرات تنموية بل نعايش نقلة نوعية في المفهوم ذاته: من اقتصاد يستهلك ما لا يصنع إلى اقتصاد يعيد اكتشاف قدراته الذاتية ويُراهن على الصناعة والزراعة كأدوات سيادة وركائز أمن قومي.
لقد بات واضحا أن البنية الأساسية التي أُنجزت خلال السنوات الماضية لم تكن غاية في ذاتها بل كانت تمهيدا لمرحلة أكثر عمقا: مرحلة الإنتاج. الطريق السريع والميناء الحديث ومحطة الكهرباء العملاقة ، ليست مجرد منشآت خرسانية بل هي دعوة مفتوحة للاستثمار الحقيقي وممرات لإعادة تشغيل ما تعطل طويلا من إمكانياتنا.
ما نحتاجه الآن هو استثمار يُكافئ ما تم إنجازه. على رجال الأعمال أن يدركوا أن اللحظة لا تحتمل التأجيل أو التردد. الصناعة التحويلية والزراعة الحديثة لم تعُد ترفا بل هي استحقاق وطني. من يمتلك الأرض والطاقة والطرق والموانئ ويفرّط في التصنيع لا يُلام حين يواجه العجز التجاري أو يتأرجح عملته تحت ضغوط الواردات.
لقد قدّمت الدولة يدها وآن للقطاع الخاص أن يمد يده الأخرى. السوق المحلية وحدها بتعدادها وحجم طلبها.تكفي لتحفيز مئات المشروعات الصناعية والزراعية. أما التوسع العربي والإفريقي فهو امتداد طبيعي لموقع مصر الاستراتيجي واتفاقياتها التجارية ، وعمقها التاريخي في القارة.
إن التجارب التنموية الناجحة من شرق آسيا إلى أمريكا اللاتينية ، أثبتت أن لا نهضة بلا تصنيع. مصر ليست استثناء. وإذا كنا قد أنشأنا مصانع الأسمنت والحديد والسيارات فلماذا لا نرى نفس الحماس في صناعات الأدوية والمعدات الزراعية والرقائق الإلكترونية؟ لماذا ما زال الاستثمار الصناعي يُنظر إليه باعتباره مخاطرة بينما هو الضامن الحقيقي للاستقرار المالي والاجتماعي؟
نعم الدولة تتحمل الكثير لكن الدولة ليست بديلاعن القطاع الخاص. ما بنته القوات المسلحة من بنية تحتية وما وفرته من أمن في قلب مناطق كانت حتى وقت قريب خارج السيطرة هو ما يفتح الباب أمام القطاع الخاص ليتحرك لا ليتراجع. هذه لحظة الشراكة لا التردد لحظة التقدم لا الوقوف في الظل.
أما في الزراعة فالمعادلة أكثر وضوحا. ملايين الأفدنة تُضاف في الدلتا الجديدة وتوشكى وسيناء ويُعاد رسم خريطة الري والإنتاج الزراعي. والفرص التي تنشأ على هامش هذه الطفرات تتعدى الزراعة نفسها ، لتشمل الصناعات الغذائية وسلاسل التوريد والتصدير إلى أسواق عطشى لما يمكن أن تنتجه أرض مصر.
لقد آن الأوان لأن يتحول رجال الأعمال من مجرد ملاك لرؤوس الأموال إلى شركاء في مستقبل الوطن. لا نحتاج المزيد من المنتجعات على الشواطئ بقدر ما نحتاج مصانع تُصدر ومزارع تُطعم ومشروعات تُشغل آلاف الشباب. الرأسمالية الوطنية لا تُقاس بعدد الأبراج ، بل بعدد الأيادي التي تجد عملا كريما وعدد السلع التي كنا نستوردها وصارت “صنع في مصر”.
ما تقوم به الدولة الآن هو أكبر من مجرد استثمار في الأرض؛ إنه استثمار في كرامة وطن واستقلال قرار. ولن تكتمل الصورة دون أن ينخرط القطاع الخاص في هذه الملحمة، ليس كممول فقط بل كفاعل ورائد ، يعيد تعريف دوره ويجعل من مصلحة الوطن بوصلته الأولى.
مصر لا تنتظر أحدا لكنها تفتح الباب للجميع. من يلحق بالركب الآن، سيكون شريكا في المستقبل. ومن يكتفي بالمراقبة سيجد أن الفرص الكبرى لا تنتظر المترددين.










