عندما شنت إسرائيل هجومها المباغت على إيران فجر الجمعة الماضية تبين أن الاستخبارات الإسرائيلية لعبت دورا كبيرا في تحديد الأهداف الإستراتيجية التي تم تدميرها، ومواقع كبار قادة الجيش والأجهزة الأمنية وخبراء المفاعلات النووية الذين تم اغتيالهم في ليلة واحدة، وتأكد أن إيران كانت مخترقة من عملاء لاستخبارات أمريكية وأوروبية موالية لإسرائيل مثلما حدث مع حزب الله في لبنان العام الماضي، لكن إيران استطاعت أن ترد الصاع صاعين، وكشفت عن اختراقها لإسرائيل استخباراتيا قبل الحرب، وحصولها على وثائق ومعلومات وخرائط عن مواقع ومنشآت إستراتيجية في تل أبيب وغيرها من المدن المهمة، الأمر الذي جعل حرب الاستخبارات بين البلدين سجالا.
ووسط هذه المعمعة ذهبت الأنظار مباشرة إلى عبقرية المقاومة الفلسطينية في غزة، التي نجحت في حماية نفسها وسلاحها وأنفاقها والأسرى الذين في حوزتها من الاختراق الإستخباراتي، رغم محاولات عديدة رتبت ومولت لهذا الغرض وانتهت بالفشل الذريع، وظلت غزة على مدى عشرين شهرا من الحرب عصية على طائرات التجسس وعملاء الداخل والخارج، فكان استشهاد أبطالها في ساحة المعارك، وليس في غرف نومهم.
ورغم كل ما حاق بغزة من دمار، ورغم افتقار المقاومة إلى ما تملكه الدولة من قدرات وخبرات وأجهزة، وما يتوفر لها من خطوط إمداد، فمازالت إسرائيل تشعر أمامها بالعجز، ومازال بنيامين نتنياهو يطلب مد أمد الحرب ليحقق النصر الذي لم يحققه حتى الآن، في حين ينصحه أصدقاؤه بضرورة إنهاء الحرب لأنها استنفدت أهدافها، ولم يعد بمقدور إسرائيل أن تصل إلى أبعد مما وصلت إليه.
ووفقا لمصادر إسرائيلية فقد طلب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من نتنياهو مرارا إنهاء الحرب، وكذلك فعل مبعوثه إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، الذي أعلن أنه إذا كان الهدف تدمير غزة فقد تحقق، أما إذا كان الهدف استعادة الأسرى والقضاء على حماس فلا أظن أن الحرب قادرة على ذلك، وأعرب رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك عن دعمه لدعوة ترامب إلى إنهاء الحرب، معتبرًا أن قبول صفقة الرهائن ووقف القتال هو الخيار الأفضل لإسرائيل حاليا، أما رئيس وزراء إسرائيل السابق إيهود أولمرت فقد طالب الرئيس ترامب بممارسة ضغط أكبر على نتنياهو لوقف الحرب من أجل إسرائيل، واصفًا استمرارها بـ “الجريمة”.
بالطبع..هذه الشخصيات ليست في صف المقاومة ولا تعمل لصالحها، لكنها ترى أن إسرائيل لن تنتصر في الحرب على النحو الذي يروج له نتنياهو، ولم تعد قادرة على سداد فاتورة الاستنزاف في حرب طويلة لا أفق لنهايتها، وبينما يستخف بعض من قومنا بصمود المقاومة وإنجازاتها فإن هناك من الخبراء السياسيين والعسكريين الإسرائيليين من يعترف ـ صراحة ـ بأن إسرائيل فشلت في تحقيق أهدافها المعلنة، وأن المقاومة هي التى انتصرت وألحقت بها هزيمة إستراتيجية، سواء على المستوى العسكري أو السياسي أو المعنوي.
وتنقل الصحف ووسائل الإعلام الإسرائيلية شهادات موثقة لكثير من هؤلاء الخبراء، أمثال اللواء غادي شامني القائد السابق لفرقة غزة في الجيش الإسرائيلي والخبير العسكري برهام مائير والمفكر السياسي والعسكري غابي أشكنازي، تؤكد أن إسرائيل منيت بهزيمة إستراتيجية في حربها على غزة، وهذه الهزيمة تتجلى في الخسائر غير المسبوقة والفشل في تحقيق الأهداف العسكرية المعلنة، والعزلة الدولية المتزايدة، بينما نجحت حماس في أن تعزز مكانتها كرمز للمقاومة، واستفادت من صمودها في الحصول على دعم شعبي متزايد، وما زالت تتمسك بأهدافها طويلة الأمد، في حين تبحث إسرائيل عن مخرج سياسي يحفظ ماء وجهها.
ويزيدنا إسحاق بريك قائد الفيلق الجنوبي والكليات العسكرية الإسرائيلية السابق تأكيدا على أن “الجيش الذي يقدم نفسه أنه الأقوى في الشرق الأوسط هزمته حماس، وقريبا سيصبح مثارا للسخرية، إنه لا يكاد ينجح في استهداف حماس وإنما ينشط في قصف المدنيين والأطفال والنساء والعجائز، وينشط القادة السياسيون والعسكريون في الكذب على الشعب عندما يقولون إن حماس ستخضع خلال أيام وسيزول حكمها، وما زالت أكاذيبهم مستمرة بينما مازال الجيش متعثرا في غزة، وعلينا أن نعترف بأن عدم قدرته على استعادة كل الأسرى حتى الآن هو هزيمة أخلاقية وعسكرية لإسرائيل، وبأن حماس قد انتصرت، والاستمرار في المكابرة سيؤدي إلى السقوط الكبير للجيش الإسرائيلي”.
وفي فبراير الماضي أصدر معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي تقريرا قال فيه إن “حماس أذلت إسرائيل وألحقت بها هزيمة عسكرية لم تشهدها منذ تأسيسها”، وفي الشهر نفسه نشرت صحيفة “معاريف” تقريرًا أكد أن “المؤشرات على تآكل القوة القتالية للجيش الإسرائيلي تتزايد، سواء على مستوى القوى البشرية أو الوسائل القتالية، في ظل تعقيد المهمة الميدانية داخل القطاع المحاصر”.
وما زالت شهادات الخبراء والمؤسسات متاحة على المواقع الإخبارية عبر شبكة الإنترنت، وهي تعبر عن أزمة حقيقية داخل إسرائيل، وتعكس مواقف النخب الأكاديمية والأمنية التي تتصدى لأكاذيب نتنياهو وتصريحاته الشعبوية عن انتصارات مزعومة، وترى أن إسرائيل فشلت في كسر إرادة حماس أو إضعاف بنيتها العسكرية بشكل حاسم رغم التفوق العسكري الإسرائيلي، ورغم الدمار والخسائر البشرية والمادية الهائلة في غزة.
وتتوازى هذه الشهادات مع قرارات وتقارير أممية متزايدة تتهم إسرائيل بانتهاكات قوانين الحرب وارتكاب جرائم إبادة جماعية وتطهير عرقي، وتتوازى أيضا مع تصريحات لحلفاء إسرائيل، ومنهم وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن، تحذر من أن استمرار قتل المدنيين قد يؤدي إلى “هزيمة إستراتيجية لإسرائيل”، ناهيك عن المظاهرات الشعبية التي تخرج بالآلاف في عواصم العالم تطالب بإيقاف الحرب ومعاقبة قادة إسرائيل وفك الحصار الظالم عن غزة.
ومن يدري.. لعل الحرب الدائرة الآن بين إسرائيل وإيران تفتح جبهة جديدة على الكيان الصهيوني تكسر غروره، وتكمل ما بدأته المقاومة الجسورة ؟؟
“وما يعلم جنود ربك إلا هو”.










