شهدت حقوق الإنسان وحرياته الأساسية اهتماما متزايداً في العقود الأخيرة من القرن العشرين وبدايات هذا القرن، وذلك لاتصالها، الوثيق بمكنون حياة الإنسان، وارتباطها الذي لا ينفك بكرامته الكامنة في شخصه.
وقد استقرت هذه الحقوق في الضمير الإنساني باعتبارها حقوقاً لصيقة بالإنسان تثبت له بمجرد كونه إنساناً بصرف النظر عن جنسيته أو ديانته أو أصله العرقي، أو غير ذلك من أوجه التمييز.
كما تجسدت هذه الحقوق في عدد من الإعلانات والمواثيق والاتفاقيات الدولية، وجرى ترجمتها في كثير من دساتير دول العالم.
غير أن المفهوم المتقدم لحقوق الإنسان شهد تحولاً جوهرياً في القرن العشرين تحت تأثير عوامل متعددة في طليعتها بلورة هذه الحقوق في إعلانات واتفاقيات دولية وإقليمية وتعززت الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أو ما يعرف بالجيل الثاني من حقوق الإنسان.
في ظل هذه الظروف تبلورت أيضاً الحقوق الأساسية في العمل، وهى حقوق لصيقة بشخص العامل وإنسانيته، وضرورية لقيامه بدوره ورسالته، وتمكينه من النهوض بعمله، وهو ما انعكس في الإعلان الصادر عن منظمة العمل الدولية في عام 1998 بشأن المبادئ والحقوق الأساسية في العمل.
ومن بين طائفة الحقوق الأساسية للإنسان، حقه في حماية حياته الخاصة، والذي يعد من أبرز حقوقه الأساسية، وذلك لاتصاله بذاتيته وشخصيته الإنسانية، وأقرته المواثيق والاتفاقيات الدولية والإقليمية ودساتير وقوانين عدد كبير من دول العالم.
ومن بين مقومات وعناصر هذا الحق، حماية البيانات الشخصية للإنسان.
وعلى صعيد العمل، فإن حماية البيانات الشخصية للعامل تحتل أهمية خاصة، وذلك بسبب التطور السريع في أساليب جمع ورصد البيانات الشخصية للعمال من خلال بنوك المعلومات والتي اتخذت صوراً وأشكالاً متعددة، وخضعت لتقنيات العصر وأساليبه الحديثة، وأصبح العامل يستحيل معها إلى مجموعة من البيانات، قد يساء استخدامها، أو توجه توجيهاً خاطئاً، أو تستخدم في غير الأغراض المخصصة لها، خاصة مع التطور السريع للوسائل العلمية الحديثة التي بلغ تطورها حداً مذهلاً، وكان لتنامي قدرتها على الاختراق، أثراً بعيداً، ليس على العمال فحسب، بل على الناس جميعهم، حتى في أدق شئونهم وما يتصل بملامح حياتهم الخاصة وبياناتهم الشخصية، وكثيراً ما الحق النفاذ إليها الضرر بأصحابها.
من أجل ذلك نشأت الحاجة إلى تقرير حماية خصوصية البيانات الشخصية للعامل، وتحديد من يستخدم هذه البيانات، والأغراض التي تستخدم فيها، وأساليب وضمانات الحماية التي تحول دون استخدامها بصورة غير مشروعة، أو في غير الأغراض المخصصة لها، وحق العامل في تصحيحها ومحو غير المشروع منها، وغير ذلك من صور الحماية.
وقد أدت هذه الاعتبارات بمنظمة العمل الدولية إلى إصدار مدونة حماية البيانات الشخصية للعامل عام 1997.
وسعياً من منظمة العمل العربية للوقوف على مظاهر الحماية الدستورية والقضائية لحماية البيانات الشخصية للعامل، واستجلاء مراميها، والتعرف على مستوياتها ومصادرها، تأتى هذه الدراسة لتعالج هذه الحماية، مستهلة إياهاً ببيان حماية الحياة الخاصة للعامل، والحق في حماية خصوصية بياناته الشخصية، ونطاقه وأساسه، وطبيعته ومحددة مفهوم البيانات والمعلومات الشخصية للعامل وضمانات معالجتها إلكترونياً، ومميزة بين الحماية الدستورية، والحماية القضائية، والحماية الجنائية، وواقفة على مصادر كل منها، كاشفة عن مضمونها، ومستجلية خصائصها، وباسطة لضماناتها، وهادفة إلى تحقيق التوازن بين ضمان حماية خصوصية البيانات الشخصية وعدم إساءة استخدامها، وبين الاستفادة من ثمار التطور العلمي والمعلوماتي باعتباره من أدوات التقدم الإنساني.
ورغبة من منظمة العمل العربية في مواكبة المد المتصاعد لحماية حقوق الإنسان وحرياته الأساسية ومنها حق العامل في حماية بياناته الشخصية. وانطلاقاً من دورها الرائد في الدفاع عن قضايا العمل في الوطن العربي، فإننا نضع هذه الدراسة في متناول أطراف الإنتاج الثلاثة لتساهم في توفير الاستقرار العمالي وبلوغ مستويات عمل متقدمة من أجل تحقيق التنمية الشاملة في وطننا العربي.
نائب رئيس هيئة قضايا الدولة (سابقا)
خبير بمنظمة العمل العربية
منتدب للتدريس بالجامعات المصرية والعربية










