نجحت الولايات المتحدة في أن تجعل العالم يقف على أطراف أصابعه خوفا من البرنامج النووي الإيراني، ومن إمكانية إنتاجه سلاحا نوويا، ونجحت قبل ذلك في أن تجعل العالم ينسى البرنامج النووي الإسرائيلي، فلا يأتي أحد على ذكره أو يطلب إخضاعه للتفتيش الدولي كما يحدث مع إيران أو مع أية دولة أخرى، وحتى وكالة الطاقة الذرية ـ وهي المؤسسة الدولية المختصة بالتفتيش ـ لا تجرؤ على مجرد الإشارة إليه، فإسرائيل تتبنى علنا إستراتيجية الغموض النووي، وتتعمد فرض التعتيم التام على برنامجها، وتضع نفسها دولة فوق الدول وليست دولة بين الدول.
وكانت هناك دعوة تبنتها مصر وعدد من الدول العربية لإعلان الشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل والسلاح النووي، لكن إسرائيل لم تلتزم بهذه الدعوة السلمية المتحضرة، وساعدها التواطؤ الدولي على أن تتعامل بمعايير مزدوجة دون أدنى حرج، فتتنصل من أي التزامات نووية، وفي الوقت ذاته تتشدد في تأليب القوى العظمى على إيران لمجرد أنها تتشكك في أن قدراتها النووية تجعلها قادرة على إنتاج سلاح نووي مستقبلا.
وأمام هذا التناقض الفج فإن قليلين في هذا العالم من يجرؤون على الحديث عن برنامج إسرائيل النووي وما تملكه من قنابل نووية، ومن هؤلاء القليلين عضو مجلس الشيوخ الأمريكي السابق السيناتور مات جيتس الذي استفزته الهجمات الأمريكية على منشآت إيران النووية، فقال في خطاب عام: “هناك شكوك بأن أجزاء من برنامج إيران النووي غير معلنة، لكن ما رأيكم في وجود سر نووي آخر خطير جدا في الشرق الأوسط، هناك دولة ترفض السماح لأي مفتشين دوليين بالدخول إلى منشآتها النووية ولديها سلاح نووي، اسمها إسرائيل، لا يسمحون فيها بأي تفتيش، إنهم متكتمون تماما، ويفرضون سرية كاملة، والأمريكيون على دراية تامة بذلك، أنا لا ألوم إسرائيل على هذا ولا أنتقده، إذا كان لديهم هذا السلاح أو إذا أرادوا تطوير سلاح نووي فمن الجيد أن يفعلوه في الخفاء، لكن جر العالم إلى الحرب بسبب الأسلحة النووية السرية وأنت لديك هذه الأسلحة النووية السرية يعتبر نفاقا، والحل في صفقة متوازنة؛ يتخلى الإيرانيون والإسرائيليون معا عن صنع الأسلحة النووية سرا، إذا حصل ترامب على تلك الصفقة فلن يحصل على جائزة نوبل للسلام فقط، وإنما من المحتمل أن يطلقوا عليها جائزة السلام الكبرى للأبد، ليس غريبا أن نفكر في نزع السلاح النووي في المنطقة من أجل السلام، ودعوني أسأل هؤلاء الذين يصفقون الآن للهجمات على إيران هل تعرفون شيئا عن ذلك البلد الذي ترغبون في تغييره؟”
ويقول الكاتب والمؤرخ اليهودي آفي شلايم: “الحقيقة أن إسرائيل هي التي تشكل تهديدا وجوديا لإيران ولكل جيرانها وليس العكس، إيران لم تهاجم جارة لها قط بينما تشن إسرائيل هجمات متكررة على جيرانها، وإيران وقعت على معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية أما إسرائيل فرفضت التوقيع عليها، وتخضع المنشآت النووية الإيرانية لرقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية والتفتيش الدوري في حين ترفض إسرائيل الخضوع لأي تفتيش دولي، وإيران لا تمتلك أسلحة نووية أما إسرائيل فتمتلك ما بين 75 و 400 رأس نووي، نعم إسرائيل هي التي تشكل تهديدا وجوديا لإيران، وعلى مدى الأربعين عاما الماضية شنت إسرائيل حملة منهجية من التضليل بشأن إيران، لماذا كل هذا الكذب؟ لماذا ازدواجية المعايير؟ لماذا هذا النفاق؟”
لقد انتهت مرحلة التضليل والخداع التي أدارها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وشاركت الولايات المتحدة إسرائيل أخيرا في ضرب إيران مثلما كانت مشاركة لها في حرب الإبادة على الفلسطينيين، صحيح أن قواتها لم تضرب غزة بشكل سافر، لكن المعروف أن هناك جنرالات أمريكيين جاءوا من بلدهم ودخلوا إلى غزة لمساندة جيش الاحتلال، والمعروف أيضا أن الـ 100 ألف طن من المتفجرات التي ألقتها إسرائيل على غزة 90 ألف طن منها جاءت من الولايات المتحدة، وتتصدى الدفاعات الأمريكية للصواريخ الإيرانية المتجهة إلى إسرائيل، كما أن المدمرات وحاملات الطائرات الأمريكية تتجه نحو الخليج للدفاع عن إسرائيل.
لقد أثبتت التجارب أن إسرائيل لم تستطع خوض الحرب مع إيران أو حتى مع المقاومة الفلسطينية وحدها، وتدرك أنها غير قادرة على تكلفة الحرب بدون الكفيل الأمريكي الذي حسم أمره منذ أكتوبر 2023 وقرر خوض الحروب إلى جانب إسرائيل في كل الميادين، لكن هذا الكفيل الأمريكي ليس قدرا مقدورا، وليس إلها معجزا، ومن الممكن هزيمته، وقد هزم فعلا مرات عديدة، هزم في فيتنام وخرج منها مذموما مدحورا، وهزم في العراق وخرج منها مكسورا، وهزم في أفغانستان وخرج منها ذليلا.
وهذا ما أشار إليه إيهود باراك وزير الدفاع ورئيس حكومة إسرائيل الأسبق في قوله: “هناك احتمال أن ندخل في حرب استنزاف طويلة مع إيران، وأمريكا لم تنتصر في كوريا ولا في أفغانستان ولا في العراق، لذلك لا أرى أن ترامب سيدخل في حرب مباشرة طويلة مع إيران”.










