من مدينة قم إلى فاس… مرشحو تلبانة يعلنون النسب المقدّس…!
منذ أعلنت جمهورية تلبانة المستقلة ـ في منشور مقتضب على جروب العائلة ـ استقلالها الرمزي عن المركز، انطلقت شرارة البحث المحموم عن الهوية، وكأننا في لحظة يقظة قومية على الطريقة البلقانية. بين عشية وضحاها، وجدنا أنفسنا منقسمين إلى معسكرين: “الأسياد” و”العبيد”، وبدأت سباقات النسب العائلي تشتعل كما تشتعل نار في هشيم.
فجأة، اكتشف الجميع أن أصولهم لا تمت بصلة إلى الحاج رزق الشامي، بائع البليلة التاريخي، بل تمتد إلى الأدارسة والأشراف، ومنهم من أقسم بجلال الله أنه من نسل الحوثيين، وآخرون ادعوا وصالًا مباشرًا بسيدي إدريس الأول فاتح المغرب ، إن لم يكن الأندلس نفسها.
كتب قريبي ـ الذي لم يُكمل تعليمه، لكنه أنهى دراسة التاريخ على “فيسبوك” ـ منشورًا مؤثرًا عن شرف نسب العائلة، فما كان من أحد المتابعين إلا أن فجّر القنبلة:
“أنتم من سلالة الأدارسة، أنتم ملوك المغرب وأبناء طارق بن زياد، وربما كنتم أول من ركب البحر لنشر الإسلام في الأندلس”.
حين قرأت هذا التعليق، لم أتمالك نفسي. رفعت سماعة الهاتف واتصلت فورًا بصديقي العزيز مولاي عبد العزيز الإدريسي، رئيس تحرير جريدة “النهار المغربية” التي أنشر فيها مقالاتي منذ سنوات، وقلت له بحماسة:
“يا ابن العم، لقد وجدت جذوري! وقررت خوض الانتخابات البرلمانية في ولايات مكناس وفاس، باسم رابطة الأشراف التلبانية المتحدة”.
وبينما كنت أعدّ حملتي الانتخابية، واضعًا صورتي بجانب قبة الزاوية الأزمازية، إذ بنا نستيقظ فجراً على أخبار الضربة الجوية في أصفهان وقم المقدسة. لم نكن نعرف عن قم إلا أنها مدينة إيرانية، لكننا شعرنا أن جمهوريتنا الوليدة قد تُصاب بالتصدع الروحي من آثار الصواريخ الطائشة.
العناية الإلهية ـ كما يبدو ـ تدخلت في الوقت المناسب، فوجدنا جدران مدرستنا الابتدائية وقد كُتب عليها بخط كبير: “ابن البلد”، في محاولة يائسة لتعزيز السلم المجتمعي وإثبات الأصالة. لكن المثير أن هذا اللقب الشعبي “ابن البلد”، لم يرقَ لكثير من المرشحين الجدد، وخصوصًا الفتى مهران، الذي بدا عليه أنه غير مقتنع تمامًا بلقب كهذا، فهو يرى نفسه أكثر من مجرد مواطن صالح أو “بلدي أصلي”.
سألناه مرة: ماذا تقصد حين تقول إنك “ابن البلد”؟ فردّ بصوت متحمّس ونبرة وطنية متأججة:
“ابن البلد يعني ابن الأرض… ابن الشرف، ابن الجدود اللي حرثوا ورَوّوا وسقَوا… ابن اللي قال عليه محمد نوح في شد حيلك يا بلد، لما قال:
شدّي حيلك يا بلد… مافيش رجّالة تولدّيهم تاني…!”.
لكن يبدو أن الفتي مهران لم يكتفِ بأن يكون مجرّد “ابن البلد”، فتحوّل بقدرة قادر إلى “ابن الأشراف”، ثم إلى “ابن الأدارسة”، ثم ختمها بـ”ابن الحوثيين”، في قفزة نسبية مدهشة لم تُسجلها علوم الوراثة بعد. وكأن كل مرشح يحاول أن ينتقل من اللقب الشعبي إلى النسب السماوي، من تراب الأرض إلى قداسة السلالة.
وفي هذه الأثناء، كانت أصوات الحماسة تملأ أجواء الجمهورية. التلبانية الفتي مهران ـ الذي يعمل موظفاً في الجمعية الزراعية ـ أعلن ترشحه بوصفه حفيد العارف بالله سيدي ظهير الدين. لم تمر ساعات حتى خرج منافسه، موظف البريد، ليؤكد أنه من نسل سيدي الأزمازي، وأن نسبه مثبت بختم زاوية معترف بها من مشيخة الطرق الصوفية.
وسط هذا الهوس الهوياتي، قررت أنا أيضًا أن أُعلن ترشحي، فما دمت أملك جينات إدريسية متفرعة في صعدة اليمنية، وأخرى راسخة في جبل طارق، فمن حقي أن أمثل الأمة التلبانية في البرلمان.
وفي ذروة الحمى الانتخابية، صعد أحد المرشحين ـ وكان يرتدي عباءة بيضاء مرصعة بصور الأضرحة ـ واعتلى منصة تل من الطوب أمام الجامع الكبير في سوق الخميس، ثم قال بصوت يهز أركان الساحة:
“أنا ابن فاطمة الزهراء..!
أنا ابن المرتضى!
أنا ابن من قاتل الناس حتى قالوا: لا إله إلا الله…!
أنا ابن من علا فوق كتف رسول الله…!
أنا ابن من أُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى…!
أنا ابن من دنا فتدلّى، فكان قاب قوسين أو أدنى…!
أنا ابن الصفا والمروة…!
أنا ابن شجرة طوبى وسدرة المنتهى…!
أنا ابن محمد المصطفى، وعليّ المرتضى، وفاطمة الزهراء، والحسن المجتبى، والحسين الشهيد بكربلاء…!”
سادت لحظة صمت في الساحة كأننا في مجلس يزيد الأموي، ثم انطلقت هتافات “حنجورية” من بعض الحضور:
وقفت خالتي زنوبة العمشة وقالت :-
“والنبي دا ابن بنت الرسول بجد…!”
أما أنا، فجلست في طرف المجلس، وقلت لنفسي في صمت تأمليّ:
“لا شكّ أن هذا الرجل من نسل الإمام زين العابدين، بخطبة منقولة حرفيًا من دمشق… الفرق الوحيد أن الإمام قالها مكبّلاً بالحديد، وهذا قالها وهو يوزّع الكذب والنفاق على الناخبين…!”
ثم أضفت وأنا أتمتم:
“آه يا زمن… من كربلاء إلى تلبانة قرية الزير سالم …الي كربلاء أخرى، الفرق فقط في لون اليافطات الانتخابية…!”
ولأن الحياة في تلبانة لا تكتمل دون جرعة كوميديا سوداء، فوجئت بمرشح ثالث يقف في السوق يخطب بصوت مرتجف:
“يا أهل تلبانة… أنا ابن الزهراء، ومن لا يصوّت لي فقد خان العترة النبوية…!”
فيما انشغل آخر بتوزيع كتيّب صغير من أربع صفحات بعنوان:
“فضل الأدارسة على مقاومة التطبيع ومجالس النميمة “
مرفق بخريطة توضح أن فاس أقرب إلى تلبانة من القاهرة.
وهكذا، انتهى المشهد بعبارة ترددها العجائز على المصاطب والحواري والمقاهي حين يُغلق باب العقل:
“اللي اختشوا ماتوا… والباقي نازلين انتخابات…!”
من يوميات كاتب في جمهورية تلبانة
كاتب وباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية…,, saadadham976@gmail.com










