أدت الثورة الصناعية وما صاحبها من إزدهار اقتصادي إلى زيادة حالات خروج المرأة للعمل وذلك لقيام الحاجة لكسب لقيمة العيش ومواجهة مقتضيات الحياة ومستلزماتها المختلفة .
والحديث عن العمل لا يعنى ابداً عمل الرجل وحده ، بل هو بالقدر ذاته يعنى عمل المرأة أيضاً وإذا كانت النواميس الطبيعية والشرائع – سماوية ووضعيه – شاءت أن تقيم نوعاً من تقسيم العمل بين المرأة والرجل من منظور الطبيعة والتكوين الفسيولوجي ، فإن هذا التقسيم لا يعنى البته تجاهل دور المرأة كشريك للرجل فى مواقع العمل والإنتاج . فمدلول العمل عند إطلاقه ينسحب على المرأة والرجل .
لقد شهد النصف الثاني من القرن العشرين وبدايات هذا القرن خروجاً واسعاً للمرأة إلى سوق العمل وأصبح عمل المرأة سمة من سمات معظم المجتمعات المعاصرة وحقيقة واقعة فرضت نفسها بحيث لم يعد ممكناً تجاهلها . غير أن حجم هذا العمل ونوعيته يتوقفان ، إتساعاً أو ضيقاً ، بمقدار إتساع نطاق اقتصاديات البلدان المختلفة ودرجة تطورها .
وكان طبيعاً أن يكون دخول المرأة لسوق العمل واقتحامها التدريجي لمجالاته العديدة مثيراً لمشاكل من طبيعة مغايرة لتلك التي تتعلق بالرجل فرضتها طبيعة المرأة وظروفها وشروط عملها .
لذلك كان منطقياً أن يتدخل المشرع الوطني في سائر بلدان العالم لتنظيم عمل المرأة ووضع الضوابط التى تكفل حماية أمومة المرأة العاملة وضمان حد أدنى من الشروط الإنسانية في ممارسة عملها وهو ما تضمنته قوانين العمل العربية .
وبالتوازي مع هذه الجهود الوطنية المبذولة لحماية المرأة العاملة ، فقد حظى عمل المرأة بإهتمام المنظمات ، والهيئات الدولية والعربية وبوجه خاص منظمة العمل الدولية التي قامت بإرساء معايير دولية وإنسانية لحماية وتأمين ظروف العمل في بيئة إنسانية لائقة وكريمة لها ، فضلاً عن حماية أمومتها ، ومناهضة التمييز ضدها ، وهو ما أكد عليه دستورها الصادر عام 1919 ، وإعلان فيلادلفيا المكمل له والصادر عام 1944.
وانطلاقاً من دورها فى حماية حقوق الإنسان وتحقيق المساواة بين المرأة والرجل وعدم التمييز بينهما ، فقد بذلت الأمم المتحدة ووكالاتها المختلفة جهوداً كثيرة على صعيد حماية المرأة وأصدرت العديد من المواثيق والإعلانات التى توفر الحماية لحقوقها الاقتصادية والاجتماعية وركزت فى سنواتها الأخيرة على دورها فى تحقيق التنمية على قدوم المساواة مع الرجل . كما ساهمت المؤتمرات الدولية العديدة التى عقدتها الأمم المتحدة ، خاصة فى العقود الأخيرة من القرن العشرين وبدايات هذا القرن فى تعزيز الدور الاقتصادي للمرأة وإسهامها الايجابي فى تحقيق التنمية الشاملة والمستديمة ، وتعزيز مشاركتها مشاركة تامة على قدم المساواة مع الرجل فى مختلف المجالات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية . ويأتى فى مقدمة هذه الجهود القرارات الصادرة عن الدورة الاستثنائية للجمعية العامة للأمم المتحدة
( المجلس الاقتصادي والاجتماعي ) التي انعقدت عام 2000 ، وكان من بين الموضوعات التى ركزّت عليها دور المرأة ومشاركتها فى تنفيذ جدول أعمال القرن (21) ودعم مشاركتها فى خطط التنمية المستديمة وأثر التغيرات العالمية على الدور الاقتصادي للمرأة . وقد ظل هذا الموضوع بنداً ثابتاً على جدول أعمال لجنة المرأة بالأمم المتحدة حتى إجتماعها فى الدورة (60) لها فى عام 2016.
وفى خضم الاهتمام العالمى بالمرأة العاملة ، فإن الاهتمام بالمرأة العاملة العربية لم يكن بمعزل عن هذا الاهتمام العالمى ، فأعلنت منظمة العرب الأولى – جامعة الدول العربية أن المسئولية القومية تستوجب النهوض بالمرأة العاملة العربية وتتطلب العمل على توفير شروط وظروف عمل مناسبة لها ، وقد تمثل هذا الاهتمام فى الجهود العديدة التى بذلتها الأمانة العامة لجامعة الدول العربية لتشغيل النساء العاملات منذ الخمسينات من القرن الماضى ومن خلال مؤتمرات الشئون الاجتماعية والعمل التى كانت تنظمها الأمانة العامة .
ولما بدأت مؤتمرات وزراء العمل العرب أخذت تهتم بكل ما يتعلق بحماية المرأة العاملة ، حيث أقر المؤتمر فى دورته الثانية التى عقدت بالقاهرة فى ديسمبر 1966 الاتفاقية العربية رقم (1) لمستويات العمل ، وقد تضمنت ست مواد بشأن تشغيل وحماية المرأة العاملة .
وبقرار من المؤتمر الرابع لمجلس وزراء العمل العرب فى دورته الرابعة فى نوفمبر 1968 ، تكونت لجنة المرأة العاملة فى البلاد العربية التى عقدت اجتماعها الأول فى الفترة من 16 – 19 يونية 1969 وتضمنت توصياتها مناشدة الدول العربية الموافقة على جميع الأحكام الخاصة بحماية المرأة العاملة ، وتهيئة ظروف العمل المناسبة لها ومساواتها بالرجل عند تساوى العمل ، وإصدار التشريعات التى تكفل حماية المرأة العاملة وتوفير فرص العمل والتدريب لها على قدم المساواة مع الرجل .
ولما أنشئت منظمة العمل العربية بقرار مؤتمر وزراء العمل العرب فى دورته الخامسة المنعقدة فى القاهرة فى يناير 1970 ، تضمن دستورها – بعد تعديله – النص على أن من أهدافها توفير الحماية اللازمة للمرأة العاملة وتنمية الموارد البشرية للاستفادة من طاقتها الكاملة فى التنمية الاقتصادية والاجتماعية وذلك من خلال “تهيئة فرص العمل للمرأة بما يتناسب وقدراتها وظروفها والتقاليد المرعية”
وقد أحتل موضوع المرأة العاملة جانباً كبيراً من اهتمام منظمة العمل العربية وجهودها وأنشطتها المختلفة خاصة لجنة المرأة العاملة العربية التى أقرها مؤتمر العمل العربي فى دورته الثانية فى مارس 1973، خاصة معايير العمل العربية التى حرصت جميعها على توفير الحماية اللازمة لها للقيام برسالتها كعاملة وأم ، تمثل النواة الرئيسية للأسرة وعليها تقع مسئولية تنشئة الأجيال .
لذلك ، فقد تضمنت هذه المعايير العديد من الأحكام التى تعالج شروط وظروف عمل المرأة وحمايتها ، خاصة ما تعلق منها بحماية الأمومة ، وتوفير الضمانات الاجتماعية وتأمينات الأمومة ، وتكافؤء الفرص والمساواة فى المعاملة بين الرجل والمرأة ، والأحكام الخاصة بشروط وظروف عمل إنسانية للمرأة العاملة .
هذه الحماية الدولية والعربية لحقوق المرأة فى حركتها المتصاعدة ومدها الزاحف ، تعكس تطور فكر المجتمع الدولى تجاه المرأة وتكشف عن رقى المفاهيم والأفكار الاجتماعية بشأنها ، وعلى نحو يكرس حقوقها ويساهم فى بلورة دورها .
وفى ضوء ما تقدم نقسم هذه الدراسة إلى بابين نتناول فيها مظاهر الحماية الدولية والعربية للمرأة العاملة على أن نقدم لهذه الدراسة بفصل تمهيدي عن حق العمل وحريته وحماية المرأة العاملة فى الإسلام .
نسأل الله أن يوفقنا لأداء ما يرتضيه سبحانه وتعالى نعم المولى ونعم النصير .
نائب رئيس هيئة قضايا الدولة (سابقا)
خبير بمنظمة العمل العربية
منتدب للتدريس بالجامعات المصرية










