استطاع بذكائه الحاد أن يقرأ ما بين سطورها، تمكن من الدخول إلى محراب أمانها، وفي غفلة منها وبهدوء تعمد التجوال بين سراديب عقلها، قام بتقليب جميع صفحاتها، صال وجال بين أفكارها، توغل بحرص منه مكتشفًا لعمق أعماقها، ثم تداول معها كل حدث مرت به، مسترجعًا معها كل قصة أحزنتها وأرقتها.
بحث هناك عن نقاط ضعفها، متجولًا بين أروقة نفسها المعذبة والمتعبة، بشغف منه راح يفتش عن طريق مختصر يصل عبره مباشرة لعواطفها، فيمكث بجانبها، يفسر هذا ويترجم ذاك، متصفحًا بكل نهم ما احتفظت به زمنًا؛ فأودعته برفق بين حنايا صدرها، يغرس آماله ويتعجل موعد حصادها، محاولًا استمالتها، يصنع من براءتها جنة لأحلامه؛ مرتديًا رداء دهائه المنسوج من خيط نقائها وصدقها.
ينتظر بلا ملل، يقبع أمام بوابات عالمها الخاص بها، يفند، يرتب، يقيم أداءه وهو يراقب فضاءها، متتبعًا لحكايات لياليها وأيامها، محاولًا إقناعها بإنه ما اقترب منها إلا من أجل حرصه وخوفه عليها، يريد أن يمسح عنها دمعة حزنها المتحجرة المتجلية بعينيها، مشبهًا نفسه بهذا الفارس النبيل الذي هرع لإنقاذها من عثرتها، وبأنه هو البحار الذي أبحر بسفينته آملًا في نجدتها، وبأنه هو البريء الذي جاءها بهدف حمايتها وإسعادها.
أخبرها بذلك وهو يتوسل إليها راجيًا، داعيًا إياها أن تتيح له الفرصة للاقتراب منها أكثر وأكثر، طلب منها أن تمنحه قدرًا أكبر من الأمان والثقة، مبديًا رغبته في التبرع من أجلها بوقته وبكل ما يملك، ها هو يتسلل بساحتها شيئًا فشيئًا، عابرًا إليها من منطقة براءتها وحسن ظنها.
يحلق في سماء وحدتها، يستميت من أجل جذبها إليه، يصعد ثم يهبط ثم يجيء ليروي ما استشفه بحنكته من أسباب حزنها، يود أن لو يذوب في مياهها، يهيم بها ويقاسمها ذكريات عمرها، بعد أن ارتدى قناع إنسانيته الزائفة، أخذ يفسر كل ما يطرح منها لصالحه، بمكر ودهاء منه قام بوضعها في زنزانة لها أعدها، يقسم بأنه لم يرد لها إلا الخير، يجتهد في إقناعها بأنه الوحيد الذي يخشى عليها من كل إحساس بضيق وألم يؤذيها ويؤرقها.
تكاد البريئة الطيبة أن تركن إليه مصدقة كل ما يسرده عليها، يحكم وضع قناع زيفه على وجهه جيدًا، يفتح كتاب خداعه شارحًا لها منه ما استطاع أن يشرحه، مع وعد منه بأنه سوف يحافظ على جميع أسرارها، ربما تمنحه ثقتها وفرصة رصد أفكارها، يجمعها، يشكلها، يطرحها عليها بصورتها المعدلة، يشير عليها بقبولها كما هى، وهنا تتوقف كي تستجمع شتات نفسها المغتربة عنها، شاردة تسترجع مفردات رسائله المريبة، تسنتج منها ما بقي في جعبته لها من رسائل أخرى.
لقد أدركت حجم المؤامرة، لمست بقلبها حجم الضغط الذي تعرضت له، كشفت وسائل خداعه التي خبأها خلف ستار طيبة القلب وحب الخير مقرنًا هذا بدموعه المنهمرة الكاذبة، قرأته هى كما قرأها، أدركته بفطنتها وبقوة إيمانها اتخذت قرارها بالمغادرة سريعًا، بادرت بشكره معبرة له عن خالص امتنانها، توقفت هنا لحظة بعد أن استعادت توازنها، وكأنها كانت ترسم في ذلك الوقت خارطة طريقها الجديد بيديها، تلونها بفرشاة ألوانها المبهجة.
لقد قررت قطع خيوط اللعبة وانتزاعها من جذورها، أنهت القصة من قبل بدايتها، تعلمت الدرس جيدًا، حتى إذا ما جاء غيره بنفس عرضه -انتبهت- جيدًا؛ فالتجربة تتكرر والقصة يعاد سردها، همست لنفسها قائلة: “أفيقي، نحن نحيا في زمن الفتن، ذلك الزمن الذي ظننته بعيدًا للغاية، ها هو قد أتى”










