يمكن للتحول الرقمي الكبير في عالمنا المعاصر، لا سيما منصات التواصل الاجتماعي، أن تحسِّّن حياة الأفراد والمجتمعات المتضررة من الحرب والعنف وتيسِّّر جهود المنظمات الإنسانية التي تعمل على حماية هؤلاء ومساعدتهم. لكن وعلى النقيض، يمكن أن تتسبب هذه التقنيات في ظهور نقاط ضعف جديدة أو تُفاقِّم نقاط ضعف موجودة.
فقد أضحت منصات التواصل الاجتماعي منصات لنشر سلاح المعلومات المضللة من قبل الجهات الفاعلة الحكومية وغير الحكومية توجهه لزرع البلبلة وتغذية الكراهية والحض على العنف وتسميم بيئة المعلومات، مما فاقم من المعاناة الإنسانية والأضرار بالهياكل المجتمعية أثناء النزاعات المسلحة، والقي بظلاله على القانون الدولي الإنساني، حيث أثر التضليل الرقمي على احترامه وتطبيقه ففاقم من انتهاكات القانون الدولي الإنساني، واضفي الشرعية على هذه الانتهاكات وبررها وأدى لتصعيدها، مما يفرغ القانون الدولي الإنساني من محتواه ويجعله حبر على ورق .
المطلب الأول: مساهمة التضليل الرقمي في تفاقم انتهاكات القانون الدولي الإنساني
1 محرر الإنساني، بين تسليح المعلومات وأسننتها: التقنيات الرقمية سلاح ذو حدين ، مرجع سابق.
يعد التضليل الرقمي عبر مواقع التواصل الاجتماعي من الظواهر التي تسهم في تفاقم انتهاكات القانون الدولي الإنساني، حيث يتم استخدام هذه الوسائل لنشر الأخبار الكاذبة وتشويه الصورة واستخدام الروبوتات للتلاعب بالرأي العام ، مما يفاقم معاناة الأشخاص الأكثر ضعفاً، ويحرمهم من العمليات الإنسانية، مما تقويضاً للهدف من القانون الدولي الإنساني.
إن تداول المعلومات المضللة وخطاب الكراهية من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، في البلدان المتضررة من النزاعات المسلحة يتسبب في دق جرس الإنذار حول أضرار محتملة على السكان المدنيين، ويعرض للخطر سلامة وأمن السكان المدنيين وموظفي ومتطوعي المنظمات الإنسانية. وقد تتفاقم مخاطر المعلومات المضللة بسبب الديناميت الاجتماعية والثقافية والتاريخية الكامنة، مثل عدم المساواة والتمييز، والحكم غير الرشيد، وافتقار الناس إلى التعليم أو الأمية الرقمية، أو النظم المعلوماتية المتدهورة.
وقد شهد الواقع استخدام المعلومات المضللة وخطاب الكراهية لإيذاء السكان المدنيين أثناء النزاعات المسلحة. وقد أعربت المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحرية التعبير عن قلقها من أن السمة المشتركة للمعلومات المضللة وخطاب الكراهية في النزاعات المسلحة اليوم هي “التركيز المتزايد على السكان المدنيين بدلًا من الأفراد العسكريين.1” وقد تم استخدام خطاب الكراهية “لإثارة الكراهية بين السكان، وتجريد الطرف الآخر من إنسانيته، والتحريض على الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، وجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، والإبادة الجماعية، كما نشرت أطراف النزاعات المسلحة معلومات مضللة حول المنظمات الإنسانية، مما أدى إلى تعطيل وصول المساعدات الإنسانية وتقويض ثقة السكان المتضررين في الأنشطة الإنسانية، وجعل من الصعب على المدنيين اتخاذ قرارات منقذة للحياة.
فللتضليل الرقمي تأثير سلبي على الضحايا من المدنيين في النزاع المسلح، فقد يؤدي نشر خطاب الكراهية الى زيادة عدد الضحايا من المدنيين أو تجاهل وتقليل
أهمية الضحايا وتأثير النزاع على المدنيين.
ففي سياق الهجمات الإسرائيلية على المدنيين في غزة أوضحت منظمة العفو الدولية في بيان لها أنها وجدت ارتفاعًا مثيراً للقلق في الدعوة إلى الكراهية التي تشكل تحريضاً على العنف والعداء والتمييز عبر منصات التواصل الاجتماعي، ” أنه يجب على الشركات ضمان عدم بث منصاتها رسائل الكراهية والعنف؛ وإلا أنها تخاطر بالمساهمة في ارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الأنسان وللقانون الدولي الإنساني، وهذا يشمل جرائم الحرب التي برزت في هذا النزاع، وحصدت عدداً غير مسبوق من الضحايا المدنيين، وخلفت أزمة إنسانية كارثية. ” . ووجدت منظمة العفو الدولية أن عدداً كبيراً من المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي تمجد الهجمات الإسرائيلية على المدنيين في غزة وتدعم تدميرها، وتدعو إلى العنف ضد الفلسطينيين، وتستخدم العديد من المنشورات لغة عنصرية وغير إنسانية ضد الفلسطينيين، ويعتمد عدد منها على اللغة التي تستخدمها السلطات الإسرائيلية.
كشف مؤشر العنف التابع لمركز “حملة” الفلسطيني غير الحكومي عن أكثر من 493,000 حالة )والرقم يرتفع( من الدعوة إلى الكراهية ضد الفلسطينيين والمدافعين عن الحقوق الفلسطينية في محتوى اللغة العبرية على منصات التواصل الاجتماعي، منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول .2023 كما يستخدم المسؤولون الحكوميون والعسكريون الإسرائيليون لغة مهينة وعنصرية ضد الفلسطينيين، ففي أكتوبر نشر حساب رئيس وزراء إسرائيل على موقع اكس
وفي أثيوبيا أدت المعلومات المضللة عبر الأنترنت لإثارة الكراهية بين السكان، وتجريد الطرف الأخر من إنسانيته، والتحريض على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم الإبادة الجماعية، وتم نشر حوالى %70 من هذه المعلومات المضللة عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي حيث استخدم النشطاء حساباتهم على موقع فيسبوك لنشر الكراهية والتحريض على الهجمات والقتل والتشريد ضد قبائل أخرى، وفي العراق تستخدم الجماعات المقاتلة تيليجرام وفيسبوك ويوتيوب لنشر الكراهية والانقسام على أسس طائفية، وفي جنوب السودان استخدمت لغة مهينة على مواقع التواصل الاجتماعي لوصم قبائل الدينكا الرعوية على انها تهديد للسلامة الإقليمية ، وتحريض المقاتلين والجماعات المسلحة على تحديد أفراد تلك القبائل ومهاجمتهم وقتلهم.
قد يتم توجيه المعلومات المضللة في النزاعات المسلحة ضد المنظمات الإنسانية التي تقدم الإغاثة للمدنيين المحاصرين، مما يعرض عملياتها للخطر ويشوه سمعتها، ويقوض قدرتها على تقديم وتنفيذ التدخلات الفعالة. يمكن أن تؤدي هذه التحريفات المتفشية إلى تعريض المدنيين للأذى من خلال تعطيل الوصول إلى الخدمات المهمة والمنقذة للحياة، أو من خلال دفعهم إلى التصرف بطرق تتعارض مع مصالحهم الخاصة.
وأفادت مراجعة أجرتها منظمة الصحة العالمية أن نشر معلومات كاذبة يزيد من التأخير في تقديم التدخلات اللازمة أثناء حالات الطوارئ، ويضر بالصحة العقلية للناس.
لقد أصبحت الأوضاع الإنسانية المعقدة بيئات خصبة لنشر المعلومات المضللة. تتمتع أنظمة الحوكمة الضعيفة بقدرة محدودة على مواجهة ومنع نشر المواد المولدة رقميًا.
ومن الصعب بشكل خاص على أولئك الذين يتعاملون مع حالات الطوارئ الإنسانية التمييز بين المعلومات الكاذبة أو الضارة والرسائل المفيدة، نظرا لكثرة المعلومات المتاحة على منصات وسائل التواصل الاجتماعي. على سبيل المثال، في العراق، تم الوصول إلى منصات التواصل الاجتماعي من قبل 28 مليون مستخدم في عام 2022، أي %t7 من المواطنين البالغ عددهم 42 مليون مواطن، مقارنة بـ 25 مليون مستخدم في العام السابق.
يساهم هذا النمو في الاستخدام في زيادة التعرض واستهلاك المعلومات غير الصحيحة.
وفي الأماكن المتأثرة بالنزاعات المسلحة، تشتد حدة التوترات، وتنتشر الشائعات بسهولة، وتقع المعلومات الكاذبة على أرض خصبة.
ومن الأمثلة العملية المفترضة التي تسوقها اللجنة الدولية للصليب الأحمر لمخاطر التضليل الرقمي على المنظمات الإنسانية، شخص يعمل في مجال العمل الإنساني يدفع مالًا لبائع متجول مقابل زجاجة مياه. يرى أحد المارة العامل يسلم المال للبائع لكنه لا يرى زجاجة الماء بيد العامل. ويعرف هذا الشخص المارُّ أيضًا أن هذا البائع المتجول معروف بأن له صلات بجماعة مسلحة موجودة في المنطقة ويبيع المخدرات نيابة عنها. يلتقط الشخص صورة للبائع والعامل في المجال الإنساني
ويرسلها إلى أقرانه، فينتشر خبر بأن العاملين في مجال العمل الإنساني يتعاملون مع بائعي مخدرات مرتبطين بجماعة مسلحة. يؤدي تدهور سمعة العاملين في مجال العمل الإنساني إلى تعرض بعضهم للمضايقات والاعتداء. ويُتهم بعضهم بدعم الجماعة المسلحة المشار إليها ويتلقون تهديدات أو يواجهون عقوبة السجن. في نهاية المطاف، يُطلب من المنظمة مغادرة البلاد وتتوقف جميع الخدمات الأساسية التي كانت تقدمها للمجتمع.
مثال أخر، جماعة مسلحة ترغب في الاستئثار بنقطة توزيع مياه معينة. تعثر الجماعة عبر الإنترنت على صور قديمة لأشخاص عانوا من تسمم بسبب المياه. فتُدخِّل بعض تعديلات على هذه الصور ومن ثم تنشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة وتؤكد أن هذه الصور التقطت في الوقت الحاضر في محاولة لإيهام الناس بأن المياه من هذه النقطة بعينها مسمَّمة ويجب الابتعاد عنها.
لذلك تطلق اللجنة الدولية للصليب الأحمر على التضليل الرقمي أثناء النزاعات مصطلح المسلحة قد تضر المعلومات المضللة بشكل مباشر بالصحة العقلية للمدنيين من خلال إثارة الخوف الشديد أو الحزن أو غيرها من المشاعر المؤلمة أو الحالات العقلية غير السليمة. قد تؤدي المعلومات المضللة الموجهة نحو الجماهير المدنية إلى تطوير جنون العظمة أو التفكير التأمري، أو الشك في قدرتهم المستمرة على تلبية احتياجاتهم الإنسانية، أو الاعتقاد بأن الأصدقاء أو الأقارب قد تعرضوا للأذى أو سيتعرضون للأذى، أو خوف معقول من الموت أو الإصابة الجسدية. هذه الأضرار وإن كانت أقل قابلية للتوثيق والإثبات، إلا أنها الأكثر استدامة.
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا










