دائما وأبدا ما نتحدث عن العدالة وآلياتها تحقيقها في واقعنا المعاصر ، إلا أن ما يحدث الآن في غزة وعلى صعيد أرضها ، فقد فاق الاستيعاب ، ولا يمكن أن تتحمله القلوب ، ولا يمكن أن تستوعبه العقول ، فعن أي عدل نتحدث ، فهل من العدالة أن يباد شعب بأكماله ، أرض تحرق بكل ما فيها على ما فيها ليس لذنب ارتكبته هذه الأرض اللهم إلا إنها رفضت تسليم نفسها للطغاة المعتدين الذين لا هم لهم ليلا أو نهارا إلا سفك الدماء ووأد الأطفال ، وبقر بطون النساء ، وقهر الشيوخ والعجائز ، من أجل إكراههم على مغادرة دورهم العامرة.
حقا إن هذا لعجب العجاب ، وإن كنا لا نرى في ذلك عجبا فهؤلاء قتلوا الأنبياء وتحدوا الله تعالى وطغوا وبغوا فى البلاد فأكثروا فيها الفساد ، ومن ثم ننتظر عدالة السماء في هؤلاء ومن شايعهم ، فإنه إذا عجز قاض الأرض عن تطبيق العدالة ، فإن قضية غزة سترفعها إلى قاضي السماء الذي لا يظلم عنده أحد.
العدل اسم من أسماء الله الحسنى، الحكم العدل، فهو حكم ومن ثم بالضرورة ومبدأ الحتمية المنطقية لابد أن يكون عدلا، أي يحقق العدالة للجميع وألا يفرق في المعاملات بين الناس .
والعدالة فضيلة وضدها الظلم وهو رذيلة بغيضة، بالعدالة قامت السموات والأرض وما بينهما. والعدل الوزن بالقسط بين الناس، والعدالة رأس الفضائل الأخلاقية وقمتها فإذا ما تحقق العدل تحققت خيرية الأفعال، بمعني العادل شجاع لا يخشي في الحق لومة لائم، والعادل عفيف النفس لا يحيد ولا يميد عن طريق الحق ولا تتجاذبه أهواء وميول الشهوة فلا يمد يده حتي يغير رأيه أو يزور ، فهو العفيف صاحب الخلق الرفيع.
وصاحب العدالة وحارسها واثق بنفسه قد تحاك ضده المؤامرات وقد تتقول عليه الأقاويل وقد تلاحقه نظرات الازدراء وتثار حوله الشبهات والفريات، لكنه ثابت علي مبدأه لا يحيد عن قول الحق قيد شعيرة.
يقول الحق جل جلاله (وأمرت لاعدل بينكم) ويقول(وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل).
ولنا في المعصوم صلي الله عليه وسلم القدوة والأسوة الحسنة في عدالته في توزيع غنائم الحرب ويأتيه رجل يدعي ذي الخويصرة. يقول له أعدل يا محمد، فيتغير وجه النبي صلى الله عليه وسلم ويقول له إذا لم أعدل أنا فمن الذي يعدل.
وعندما تسرق المرأة ويريد أن يقيم عليها الحد والمرأة من الأشراف ويأتي إليه صحابي ليشفع لها ويقول النبي قولته الخالدة التي سطرها التاريخ بأحرف من نور، تشفع في حد من حدود الله، والله لو أن فاطمة – أعز الناس إلي قلب أبيها – بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها.
كان في من قبلكم إذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وإذا سرق الشريف تركوه لحسبه ونسبه .
فلو كان ذو حسب ونسب ما سرق – وها هو الفاروق عمر ضرب أروع الأمثلة في عدله، ألم يحمل جوال القمح علي ظهره ويذهب إلي المرأة ويشعل النار ويطهي الطعام بنفسه ويطعم صغارها والسيدة لا تعرفه وتقول الله الله في عمر تركنا جوعي ونحن أمانة في رقبته ولم يتركها حتي أطعم الأطفال وتركهم يضحكون بعد أن علا بكاءهم من شدة الجوع.
ويقول لها احضري غدا إلي دار القضاء لتأخذي مظلمتك وتذهب وتجده فيقول لها يا أمة الله بكم تبيعي مظلمتك لعمر ويشتريها منها بمائة درهم ويقول لابنه ضعها في كفني عند موتي، حقا حكمت فعدلت فأمنت فنمت يا عمر.
وكذلك عمر بن عبدالعزيز الذي من عدله حمت الذئاب الأغنام ولم يوجد فقير ويخاطب الغمام قائلا امطري أنا شئتي سيأتينا خراجك لماذا لأنه عدل بين الناس بالقسط ولم يفرقوا في المعاملات فليس معني أنه ابن فلان يأخذ المناصب العليا والوظائف الكبيرة، والأخر ابن رجل فقير يلقى في غيابات الجب بدعوي التفاوت الطبقي والغريب أن هؤلاء يستشهدون بالقرآن والقرآن منهم براء (ورفعنا بعضكم فوق بعض درجات)، نقول لمثل هؤلاء الحمقي.
الرفعة هنا في منزلة الأعمال الصالحة وليس في ابن الوزير والسفير، وابن البواب والرجل الفقير، هل الأوطان تبني بهذه الطبقية العفنة. العدالة في كل شيئ في توزيع الرواتب علي العمال فليس من العقل والمعقول أن تأخذ فئة معينة رواتب كبيرة وتأخذ أخري رواتب في الحضيض أليس هذا مدعاة إلي الحقد والحسد والضغينة.
إذا أردنا أن نحيا حياة كريمة فلابد أن نحقق العدالة في كل شئون حياتنا في بيوتنا مع أبناءنا فلا نفرق بين الولد والبنت في المعاملة، وكذلك في أعمالنا لا نفرق بين زيد، وعبيد، التفرقة بعمل كل واحد فليس معني أن أحدا مقربا للرؤوساء في العمل وهو أدائه ضعيف يحصل على امتيازات ليست من حقه فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، والجميع سيقف أمام الله هل عدلتم بين مرؤوسيكم (وقفوهم إنهم مسئولون) ، وهذه المسئوليات تكليف وليست تشريف.
ثم نطبق العدالة في معاملاتنا مع بعضنا البعض، وكذلك مع أنفسنا دون إفراط أو تفريط فكلوا واشربوا وألبسوا ولا تغالوا ولا تسرفوا إن الله لا يحب المسرفين.
ثم أعدلوا بينكم وبين الله تعالى ولو بالقدر اليسير من حق الله عليكم، أحسنوا إلي الله كما أحسن الله إليكم والله يحب المحسنين.
إن فلاسفة الأخلاق جعلوا لفضيلة العدالة مكانتها ورفعوها مكانا عليا، فها هو سقراط يقر نوعين من القوانين أولهما غير المكتوبة القوانين الإلهية التي لا يظلم معها أحد. والقوانين المكتوبة الوضعية التي تنتظم من خلالها حياة الناس إذا طبقت تطبيقا صحيحا.
وكذلك حدثنا أفلاطون عن العدالة وكيفية تحقيقها قائلا. إذا أردنا تحقيق العدالة فلا بد من سيطرة القوة العاقلة في الإنسان – ببساطة شديدة دون تعقيدات فلسفية – تحكيم العقل – سيطرة القوي العاقلة علي القوتين الشهوية والغضبية – نبسط المسألة – الإنسان به ثلاثة قوي 1-الشهوية وفضيلتها العفة، والإنسان بتكوينه الفسيوبيولوجي يميل إلي إشباع شهواته المادية ولا أحد ينكر ذلك لأننا من جبلة انسية ولسنا ملائكة وإن كانت بنا هبات ملائكية، ويأتي دور العقل ليقوم بعملية فرملة لهذه الشهوات الجامحة فيلجمها بلجام الحكمة ويصير الإنسان عفيفا،. 2-القوة الغضبية وفضيلتها الشجاعة ويأتي دور العقل ليهذب هذا الغضب فقد يقودك الغضب لاقحام نفسك في مشاريع لا طاقة لك بها فياتي العقل ليمنعك من التهور فالشجاع ليس بالصرعة وإنما من يملك نفسه عند الغضب. 3-القوة العاقلة وهي التي تسيطر على القوتين السابقتين عن طريق الحكمة.
فبالعقل تتحقق الفضائل وتتحقق العدالة وكما يري أفلاطون أن الفلاسفة هم أهل الحكمة وأهل الحل والعقد ومن ثم لابد أن توضع مقاليد الحكم بأيديهم هذا ما ذكره في جمهوريته. وكذلك نجد رائد الاتجاه العقلاني في الفكر اليوناني، أرسطو، يقول إن العدالة إذا ما تحققت في الإنسان تضعه تحت عرش الله وهذا ما ذكره في كتابه الأخلاق النيقوماخية، نيقوماخوس ابنه .
وإذا ما تركنا فلاسفة اليونان واتجهنا إلى مفكري الإسلام سنجد الغزالي يحدثنا عن هذه الفضيلة في كتابه ميزان العمل ويجعلها رأس الفضائل.
إذا أردنا السعادة وتحقيق السيادة فعلينا بتحقيق العدالة لأن أسلافنا ما قادوا الدنيا بأسرها إلا من خلال إقامة العدل، ونزع الجور والظلم من بين الناس، بل وملأوا الدنيا عدلا فاستقام أمرهم واستوت ممالكهم ودويلاتهم.
ما أحوجنا إلي العدالة وإقامة العدل بيننا، لأن العدل أساس متين وحصن حصين لإقامة الممالك والسلاطين والدويلات والدول، فدول الظلم قد تستمر عاما أو أعواما كثيرة، لكنها لن تدوم أما دول العدل تظل إلي قيام الساعة لماذا لأن قادتها حكموا فعدوا في القضية ووزعوا وقسموا بالسوية لا فرق بين وزير فيها ولا غفير، الكل مواطن من الدرجة الأولى، فمثلما له حقوق فعليه واجبات.
فمن كان به شبهة جاهلية وظلم فليراجع نفسه وليرد المظالم إلي أهلها، ويعجل بالتوبة والاستغفار، والمظالم كثيرة في أيامنا هذه منها علي سبيل المثال لا الحصر، أكل مال اليتيم بغير حق، عدم العدالة في توزيع المواريث وأكل حقوق الإناث، عدم عدالة الإنسان مع نفسه وظلمه لها عند طريق عدم تهذيبها وتربيتها، عدم إقامة العدالة والمساواة في البيت والتفرقة بين الأبناء لأنه ذكر ولأنها أنثي، عدم العدالة والانصاف لأوطاننا، وإهمال قضايانا المعيشة وبيعها بحفنة عملات نقدية، وحسابات وأرصدة ملئت البنوك.
اعدلوا هو أقرب للتقوى.
أستاذ الفلسفة بآداب حلوان.










