ستبصره عيناك بسيطًا، رقيقًا، هادئًا، حييًا، ستراه على مقربة منك يمر في هدوء وسلام، مطمئن القلب، عزيز النفس، قرير العين، راضٍ بما وهبه له الله، شاكرًا حامدًا، مسبحًا لمولاه. ستعلن عن صفاء نفسه قسمات وجه زينته علامات قبول مرت عليه، ثم تركت توقيعها على محياه. قد تعثر معه على سمات كرم، يوزع منها على قدر استطاعته بقدر ما ملكت يداه. سترى علامات أخرى تتحدث من دون كلام، تسطرها مظاهر اكتفاء وإن كان صاحبها يشعر بالاحتياج.
تشهد له إنسانيته بثراء، لكنه ثراء من نوع خاص، ثراء يجهله من اعتاد التعالي والتكبر على الناس. كل نفس غرتها مظاهر الحياة سيتعرف عليه كل من يشبهه، على الرغم من كونه لا يرتدي أفخم أو أغلى الثياب. سيجدون في إطلالته علامات طهر تفسر حظه من تقوى وصلاح، تقر بتقواه صدق نواياه، إضافة إلى رصيد ضخم من حسن خلق يرافقه كلما راح أو جاء.
إنسان هو مثلك، له قيمة وله دور في الحياة، لديه رصيد من كرامة، يملك شعورًا بتقدير الذات، يتسم قلبه برقة بالغة، لديه شعور وإحساس. إنه أضعف من أن يتحمل شعور رفضك له، وشعورًا آخر بالتخلي والإلغاء. ربما شغله وهج حضورك، فجعله ينظر إليك ليراك مَلكًا آتيًا من السماء.
إنه يظن خطأً أنك المختلف عنه، يتمنى أن يستعير من بعض وهجك ما قد يضيف إليه شيئًا في مستقبل الأيام، لكنه يفيق فجأة على عدولك وإعراضك، فيعود من بعد ذلك مخذولًا، مستيقظًا على صورتك الجديدة التي تجعله يشعر بأنه لأول مرة يراك. ليته كان يعلم أن قربه منك سينتقص من قدره هو، وأن ذلك القرب لن يزده إلا تعاسة وشقاء.
خلقنا الله سواسية من هذا الذي تدوسه الخلائق بأقدامها في كل غدوة ورواح، لكن البعض وبكل أسف يتناسى أو يجهل أنه مخلوق من ذاك الذي تدوسه أقدامه دون اهتمام، وبأن الشيء الذي نخشى الاقتراب منه، هو الذي سوف نُدفن فيه، ونُبعث منه بعدما يطول الرقاد.
كن على ثقة بأن الله سيمهلك، لكنه أبدًا لن يهملك. ثق بأنه سبحانه سوف يقتص لكل صاحب قلب تلذذت يومًا بجرحه، أخزيته وآلمته حين ترفعت عليه؛ فالله يملك أمرنا كله ويعلم ما تخفيه صدورنا حقًا وبلا جدال. كلنا نعلم أن لله عبادًا هم له أولياء، وبأنه قد توعد كل من يحاول إيلامهم بسوء خاتمة وبشديد عقاب، كلنا نعلم بأن الله منزل عذابه على كل من سعى لمنازعته فيما يملكه من إزار عظمة ومن رداء كبرياء.
ادعوه ليلًا ونهارًا، واطلبوا منه الثبات، اسألوه العون على الاستقامة، تبرأوا من كل ذرة كبر تداعب خيالكم، تخلصوا منها الآن الآن من قبل أن تحرمكم لذة العيش في جنة عرضها الأرض والسماوات. تذكروا أن الله قد هيأ جنته لكل من تواضع إليه وأناب، وبأنه هو الذي أقسم بتحريمها على كل متكبر يمشي في الأرض مرحًا، مصعرًا خده للناس، كل من ظن أنه من نور قد خُلق، لا من طين وتراب.
مخطئ من ظن يومًا أن الدنيا باقية، مستمرة بلا انتهاء. سيئ من سعى أو قام بكسر خاطر إنسان مهما كان. واهم من تعمد إيلام نفس راودها حلمها الخادع فدفعها للحديث يومًا أو إلى الاقتراب. تواضعوا فكلنا بشر، توبوا إلى الله وارجعوا فكلنا من آدم وآدم من تراب.










