(المستشار الإستراتيجي والقانوني الرياضي الدولي وعضو لجنة ضبط أداء الإعلام الرياضي بالمجلس الأعلى للإعلام)
في ظل التحولات الجذرية التي تشهدها كرة القدم الحديثة، لم يعد الحُلم العالمي “لكأس العالم” يُقاس فقط بالتأهل والجدارة الرياضية، بل بات مرتهنًا بمفاهيم جديدة يُعاد تعريفها داخل أروقة الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) ، فبين التوسع في عدد المنتخبات، وتضخيم المشاركات في كأس العالم للأندية، يلوح في الأفق نموذج تسويقي جديد يستند إلى هيمنة الأندية والمنتخبات الأوروبية تحت عنوان ( العالمية) ، إلا أن هذه العالمية لا تبدو إلا واجهة تجميلية تُخفي خلفها يوتوبيا تسويقية تخدم مصالح النخبة الكروية الأوروبية.
تفصيلا
أولاً :- مفهوم اليوتوبيا التسويقية في كرة القدم، الشاهد أن اليوتوبيا التسويقية في السياق الكروي تُشير إلى حالة مثالية زائفة تُصنع بهدف تسويق المنافسات على أنها تمثل العالم بأسره، بينما تُصمم فعليا لتعظيم حضور وهيمنة نخبة منتقاة من الأندية أو المنتخبات – غالبًا الأوروبية – لضمان أعلى عائدات مالية جماهيرية ، والفيفا في السنوات الأخيرة، وبشكل متسارع، تبنّى هذا النهج.
ثانيا :- المؤشرات الدالة على هذه النزعة
(١)- توسيع كأس العالم للأندية، حيث تم رفع عدد الأندية المشاركة في نسخة ( 2025 إلى 32 ناديا) ، لكن المثير أن الحصة الأوروبية بلغت 12 ناديًا – ما يعادل (37.5%) – رغم أن أوروبا هي واحدة من ست قارات كروية فقط ، فهذا التضخم العددي الأوروبي لا يعكس توازنا قاريا بقدر ما يعكس تفضيلا تسويقيا.
(٢)- الحديث عن “الملحق التأهيلي” للفرق الأوروبية الكبرى ، فما كشفته صحيفة AS عن سعي ( FIFA ) لإيجاد ملحق تأهيلي لمساعدة الفرق الأوروبية الكبرى التي لم تتأهل تلقائيًا (مثل برشلونة) يعكس انحرافًا عن مبدأ الجدارة ، إذ باتت الشعبية، وليس النتائج، هي التي تُحدد من يستحق.
(٣)- تركيبة كأس العالم للمنتخبات 2026 ، حيث رُفعت المنتخبات من ( 32 إلى 48 منتخبًا ) ، ومع ذلك هناك مؤشرات بأن عملية التوزيع لم تراعِ بدقة مبدأ التمثيل العادل، بل جاءت لخدمة السوق الأمريكي وشبكات البث الأوروبية.
ثالثًا :- في هذا النموذج، تحوّلت كرة القدم إلى مشروع رأسمالي هائل، تقوده شبكات البث والإعلانات والرعايات العالمية ، فأوروبا تملك الأندية الأعلى قيمة سوقية، والجماهيرية الأكبر، واللاعبين الأوفر تسويقا.
لذا، فإن تضخيم وجودها يضمن ل ( FIFA) عائدات خيالية، حتى لو على حساب المبادئ التنافسية.
رابعا :- من العالمية إلى الاحتكار ، فإذا استمرت هذه النزعة، فإن مستقبل كرة القدم مهدد بأن يتحول إلى دوري أوروبي موسّع مُقنع بثوب عالمي ، تُهمَّش فيه الفرق غير الأوروبية تدريجيًا وتُصبح البطولة نفسها خاضعة لموازين السوق لا لمعايير الرياضة.
خامسا :- الحلول التنظيمية والقانونية الممكنة
(١)- إعادة تقييم نظام توزيع المقاعد بين القارات.
(٢)- إلزام (FIFA) ، بمبدأ الشفافية في وضع معايير التأهل.
(٣)- منح القارات الأخرى حقا متساويا في الاستضافة والتمثيل.
(٤)- تقوية الأندية غير الأوروبية ماليًا وتنظيميًا لكسر الهيمنة.
ختاما
كرة القدم وُلدت لعبة للشعوب، لكنها تتحول يومًا بعد يوم إلى منتج للنخب ، وبينما تصنع أوروبا مشهدا مهيبا في المدرجات والشاشات، تظل فرق بقية القارات تحاول جاهدة أن تكون أكثر من مجرد “إكسسوار تسويقي”. فهل تعود (FIFA) للرياضة، أم تستمر في تسويق اليوتوبيا؟










